بقلم: عماد رجب
مع اقتراب شهر رمضان، تعود الأصوات القديمة لتملأ قلبي بالدفء والحنين: صوت الشيخ محمد رفعت في تلاوته، وابتهالات الشيخ السيد النقشبندي، وغناء الفنان الراحل محمد عبد المطلب، وكأنهم يحيون ذكريات الطفولة في كل نغمة وكل كلمة. حين أستمع إلى "رمضان جانا"، أو أذان الشيخ رفعت، أو كلمات الابتهالات، يعود بي الزمن إلى أيام تجمعات الأسرة، وكلمات الوالدين، وزيارات الأقارب والأصدقاء، إلى الطفولة البريئة التي لم يعرفها الحاسوب ولا الهاتف.
اليوم، حتى الأغاني وأصوات القراء تغيرت؛ صارت أقل عذوبة، أقل صفاء، مثل صور باهتة، مثل الأكل الذي وصلنا بالدليفري، فاقدًا لدفء العائلة ولذة المشاركة، تمامًا كما اختفت حرارة اليدين الممدودة لتقديم الكنافة الطازجة، أو رائحة العجين في الفرن. على مدار سنوات، حاولت أن أصنع لأبنائي وأبناء إخوتي ذكريات مميزة في رمضان: السير على كورنيش النيل في دمنهور، إطلاق الطائرات الورقية والألعاب النارية قبل أذان المغرب، تذوق الكنافة والقطايف والعصائر، ثم صلاة التراويح أو جزء منها، قبل الجلوس على أحد المقاهي الشعبية التي تشع بروح رمضان.
كنت أريد أن تبقى هذه اللحظات محفورة في ذاكرتهم، أن يعرفوا معنى الدفء العائلي قبل أن تبتلعنا التكنولوجيا. لا أنسى أمي وجدتي وزوجة خالي وأعمامي وهم يحضرون كعك العيد، نذوقه مباشرة من الفرن، ونستمع إلى ضحكاتهن وحكاياتهن، كأن الزمن يعود بنا مرة أخرى. اليوم، مع دليفري الكعك، لم تعد تلك المتعة نفسها، ولم تعد الأصالة موجودة. القليل كان يكفي لإسعادنا، واليوم، مع التكنولوجيا، فقدنا الكثير. علينا أن نعيد ترتيب حياتنا، نقلل من ضجيج الشاشات، ونستعيد دفء الأسرة والعلاقات الإنسانية، قبل أن تصبح ذكريات رمضان مجرد صفحات في الماضي. رمضان فرصة لنعيش اللحظة، لنستمع للأصوات القديمة، لنشم الروائح التي لا تُنسى، ولنترك لأطفالنا ذكريات تضيء قلوبهم حين يكبرون.
كاتب مصري
