بقلم موسى الصفدي
تشهد منطقة الشرق الأوسط حراكاً سياسياً وأمنياً متسارعاً، في ظل الحرب الدائرة وتزايد حدة الاستقطاب الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، برزت تقارير إعلامية إسرائيلية تتحدث عن نقاشات جارية بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان لتشكيل إطار أمني رباعي، يُعنى بتنسيق القدرات وتعزيز التعاون في مواجهة ما يُوصف بـ"التحديات الإقليمية". هذا الطرح، رغم أنه لا يزال في مراحله الأولية، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية تتعلق بواقعيته السياسية، وموقف القوى الدولية منه، وانعكاساته المحتملة على القضية الفلسطينية.
أولاً: واقعية الطرح في ميزان التناقضات الإقليمية من حيث المبدأ، يعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً لدى دول المنطقة بضرورة بناء مقاربات أمنية ذاتية، بعيداً عن الاعتماد المطلق على القوى الخارجية. غير أن واقعية هذا التحالف تبقى مرهونة بقدرة أطرافه على تجاوز تناقضاتهم السياسية والاستراتيجية. فالعلاقات بين هذه الدول، رغم ما شهدته من تحسن ملحوظ مؤخراً، لا تزال محكومة بإرث من التباينات، سواء في الموقف من أزمات الإقليم أو في طبيعة التحالفات الدولية. كما أن اختلاف أولويات الأمن القومي لكل دولة قد يُضعف من إمكانية بلورة عقيدة أمنية مشتركة، ويجعل من هذا الإطار أقرب إلى منصة تنسيق منه إلى تحالف صلب.
ثانياً: الولايات المتحدة بين الاحتواء والقلق من المتوقع أن تنظر الولايات المتحدة الأمريكية إلى هذا الطرح بعين مزدوجة؛ فمن جهة، قد ترحب بأي جهد إقليمي يخفف من أعبائها الأمنية في الشرق الأوسط، خاصة في ظل توجهها الاستراتيجي نحو آسيا. ومن جهة أخرى، قد تبدي تحفظاً واضحاً إذا ما رأت في هذا التحالف نواة لاستقلالية إقليمية تقلص نفوذها أو تفتح المجال أمام توازنات جديدة لا تنسجم مع مصالحها. كما أن طبيعة العلاقة الخاصة التي تربط واشنطن بكل من السعودية ومصر وتركيا، ستدفعها إلى محاولة التأثير على مسار هذا المشروع، بما يضمن عدم تحوله إلى إطار خارج عن السيطرة الأمريكية.
ثالثاً: إسرائيل… من القلق إلى محاولة الاختراق القراءة الإسرائيلية لهذا التحرك تعكس حالة من القلق الحذر، خاصة إذا ما تم النظر إلى الدول الأربع باعتبارها تمتلك ثِقلاً عسكرياً وسياسياً كبيراً في العالم الإسلامي. غير أن هذا القلق لا يصل إلى حد اعتبار التحالف موجهاً بشكل مباشر ضد إسرائيل، خصوصاً في ظل غياب التزامات دفاعية صريحة على غرار حلف "الناتو". في المقابل، قد تسعى إسرائيل إلى احتواء هذا المسار أو حتى اختراقه بشكل غير مباشر، عبر توظيف علاقاتها المتنامية مع بعض الدول الإقليمية، أو من خلال التأثير الأمريكي، بما يضمن عدم تحوله إلى مظلة تهدد تفوقها الاستراتيجي. بل إن احتمال انخراط إسرائيل، بشكل مباشر أو غير مباشر، في بعض ترتيبات هذا الإطار، يبقى قائماً، خاصة إذا ما تم توجيه هذا التعاون نحو مواجهة إيران أو "التهديدات المشتركة"، وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل التحالفات في المنطقة على أسس جديدة.
رابعاً: بين إيران وإعادة ترتيب الأولويات لا يمكن فصل هذا الطرح عن سياق التصعيد مع إيران، حيث يبدو أن جزءاً من الدافع وراءه يتمثل في محاولة خلق توازن إقليمي في مواجهة النفوذ الإيراني. غير أن التركيز في البيان المشترك على تحميل إيران مسؤولية التصعيد، مقابل حضور باهت لإسرائيل، يعكس تحولاً في أولويات بعض دول المنطقة، وهو تحول يحمل دلالات سياسية عميقة.
هذا التحول قد يساهم في إعادة تعريف "التهديد الرئيسي" في المنطقة، بما قد يؤدي إلى تراجع مركزية الصراع العربي–الإسرائيلي في بعض الأجندات الإقليمية. خامساً: التأثير على القضية الفلسطينية… بين التهميش وإعادة التموضع يبقى السؤال الأهم: كيف سينعكس هذا الطرح على القضية الفلسطينية؟ في حال تطور هذا الإطار الأمني بمعزل عن ربطه الواضح بالقضية الفلسطينية، فإن ذلك قد يؤدي إلى مزيد من تهميشها ضمن أولويات الإقليم، خاصة إذا ما تم توجيه الجهود نحو ملفات أخرى كإيران أو الأمن الخليجي. أما في حال نجحت القيادة الفلسطينية في الانخراط السياسي الذكي مع هذه الدول، فقد يشكل هذا التحالف فرصة لإعادة إدراج القضية الفلسطينية ضمن معادلات الأمن الإقليمي، باعتبارها مدخلاً أساسياً للاستقرار، وليس عبئاً عليه.
فرصة مشروطة أم تحول مقلق؟ إن الحديث عن تحالف أمني رباعي في الشرق الأوسط يعكس تحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي، لكنه في الوقت ذاته يظل مشروعاً قيد الاختبار، محكوماً بتوازنات دقيقة وحسابات معقدة. وبالنسبة للقضية الفلسطينية، فإن الخطر لا يكمن فقط في هذا التحالف بحد ذاته، بل في السياق الذي قد يُبنى فيه: إما كجزء من إعادة ترتيب إقليمي يُقصي فلسطين، أو كفرصة لإعادة فرضها كقضية مركزية لا يمكن تجاوزها. وهنا، يتحدد الدور الفلسطيني بين موقع المتلقي لتداعيات التحولات، أو الفاعل القادر على توجيهها بما يخدم حقوقه الوطنية.
