بقلم د. نهاد رفيق السكني
لم أكن يوما أحلم بالسياسة، رغم أنها مهنة كل الفلسطينيين بالفطرة من الولادة حتى الممات، ولم أبحث عن سلطة أو منصب. أنا خضت الميادين التي لا يعرفها السياسيون. عملت حيث تصنع القرارات على أساس الحسابات الدقيقة، لا على أساس الشعارات. في وزارة الصحة الفلسطينية—وهي نموذج يحتذى به ضمن إقليم شرق المتوسط في منظمة الصحة العالمية—تعلمت أن كل خطة تبدأ من فهم دقيق للاحتياجات، وأن كل خطأ في الحساب يقود إلى كارثة. ومن خلال دراستي في علوم الهندسة الوراثية، أدركت أن الخلل في أي نظام، سواء كان في الجينات أو في إدارة المجتمعات، يقود إلى نتائج مدمرة. فالطفرات التي تغير سلوك الإنسان نحو العدوانية والجريمة تشبه تماما الانحرافات السياسية التي تدفع القادة للتضحية بالناس مقابل أثمان مؤقتة. لكن بعد ما حل بي وبعائلتي من دمار ونزوح وتشرد، وجدت نفسي أكتب وأحلل. لا لأكون سياسيا، بل لأكون شاهدا على العبث، وناقدا للطرق التي تستهلك القضايا بدل أن تقربها من الحل. أنا لا أكتب لأتسول الاعتراف، بل لأضع الكلمة كسيف، ولأقول إنني أفهم المرحلة أكثر ممن يزعمون قيادتها. نحن في زمن صار فيه البعض يظن أن الحقوق تستجدى كما يستجدى كوب ماء عند أبواب الغرباء. صار الدم سلعة في السوق، والألم بطاقة دخول إلى نشرات الأخبار، وكأننا نبيع جراحنا في مزاد علني لا يشتريه أحد إلا ليتفرج. نستثمر في البكاء أكثر مما نستثمر في البناء، ونحول المأساة إلى مسرحية قصيرة تنتهي مع أول فاصل إعلاني. بينما الحق الحقيقي لا ينتزع بالدموع، بل بالقوة، بالحساب، وبالقدرة على تحمل النتائج. أنا مؤمن تماما بأن الحقوق لا تمنح… بل تنتزع. لكنها لا تنتزع بتسول التعاطف على دمنا وأوجاعنا، ولا بتحويل المأساة إلى وسيلة ضغط مؤقتة سرعان ما تتلاشى. تنتزع حين تكون هناك قوة حقيقية، وحساب دقيق، وقدرة على تحمل النتائج—لا حين يكون الثمن دائما من دم الناس… والنتيجة صفر. خذوا مثالًا من التاريخ لا يُنسى: غرور اليابان في لحظة قوتها العظمى. عندما كادت تسيطر على آسيا كلها، اعتقدت أن ضربة واحدة في بيرل هاربر ستكسر إرادة أمريكا. كان الجيش الأمريكي آنذاك صغيرًا نسبيًا، لم يتجاوز في حجمه جيش النرويج. لم ترد أمريكا فورًا، ولم تنجر وراء ردود الأفعال اللحظية أو الشو الإعلامي. بل أخذت أربع سنوات كاملة تبني فيها قوة اقتصادية وعسكرية ساحقة. حولت مصانعها المدنية إلى مصانع سلاح، وعبأت مواردها البشرية والمالية بدقة متناهية. وحين جاء الرد، لم يكن مجرد انتقام، بل إعادة تشكيل للتوازن الدولي كله، وصياغة نظام عالمي جديد جعلها القوة الأولى لعقود طويلة هذا هو الدرس الذي نحن في أمس الحاجة إليه: الحقوق والنصر لا يُنتزعان بردود الأفعال السريعة والانفعال، بل بالصبر، بالبناء المنهجي، وبالقدرة على تحمل الثمن حتى النهاية. أكتب هنا لست ضد مقاومة المحتل، ولا ضد النضال المشروع لتحقيق الحلم الفلسطيني الذي كفلته كل الشرائع والقوانين الدولية. أكتب الى من يقتل المقاومة مرتين — من طهران إلى غزة — فيستهلكها ويحرقها دون أن يقربها خطوة واحدة نحو الحل. الحقوق لا تنتزع بالصراخ في الشوارع، ولا بتسويق الدم في النشرات الاخبارية. تنتزع حين يكون هناك عقل يخطط، وقوة تُبنى، ومصلحة تُقرأ بوعي لا بعاطفة عمياء. أما أولئك الذين يستهلكون القضية كما يستهلكون علبة سجائر—يملأون الهواء دخانا ثم يرمونها فارغة—فهم لا يقربوننا من الحق، بل يبعدوننا عنه. إنهم يبيعون الوهم، ويشترون التصفيق، ويتركون الناس بلا حق ولا كرامة. وفي النهاية، فأنا انسان نازح، موجوع، احمل في صدري كل ما حل بنا، واقف بكل اجلال واحترام لكل الدول الشقيقة والصديقة التي اعترفت ببرنامج منظمة التحرير؛ البرنامج الذي خاض الحروب والمعارك الباسلة، وفرض رؤيته على المجتمع الدولي، وأرسى اساس دولة فلسطين. هذا البرنامج يوحد الشعب، يبني المؤسسات، ويضع الدم في مكانه الصحيح: ثمن للحرية، لا وقود للعبث. ولذلك أكتب… لا ضد حقي في النضال، بل ضد هذا العبث الذي يستهلكها، ضد هذا الاستنزاف الذي يقدم الدم بلا حساب، ويحول الحق إلى شعار بلا معنى. فلتكن الكلمة هنا صفعة، لا دمعة.
