المحلل السياسي بين الواقع والمتوقع

 بقلم: أ.د. خالد محمد صافي

عندما اتابع ما يكتبه الكثير ممن يدعون أنهم محللين سياسيين على الصعيد العربي عامة وعلى الصعيد الفلسطيني خصوصا تنتابني حالة بين النرفزة حينا وبين الإشفاق حينا، وبين الضحك أحياناً كثيرة. حالة إشكالية فعلا وحالة من التخبط والتناقض في كثير من الأحيان. ويرجع ذلك إلى اعتمادهم كثيرا على مصادر الإعلام الإسرائيلية التي تبث كما من المعلومات الإعلامية الموجهة، والتي تقصد إرباك القارئ والمتابع، فكثير من هذه المعلومات تكون مفبركة وهي بالونات إختبار، وبعضها يدخل ضمن إطار الحرب النفسية، والكثير منها تصريحات لقيادات حزبية تهدف إلى إرضاء أنصارهم، ولأغراض حزبية داخلية انتخابية، وحالة من حالات التنافس الداخلي الحزبي... الخ. فالإعلام الإسرائيلي بقنواته الكثيرة الفضائية والإذاعية وصحفه وحتى تغريدات وسائل التواصل الاجتماعي يضخ أخبار وتحليلات كثيرة. وهناك ممن يعرف اللغة العبرية، فإنه يقوم بالترجمة ويعتبر نفسه محلل سياسي. دون أن يدرك أن التحليل السياسي علم له أصوله العلمية التاريخية السياسية. وأن من يريد أن يدخل في هذا الحقل عليه بالتزود بأدواته ومناهجه، فلا يمكن فهم الحاضر وتحليل أحداثة بدون معرفة الماضي وجذور كل مسألة أو قضية تاريخيا، ولابد أن يكون دارسا لمناهج العلوم السياسية ونظرياتها. فالمحلل السياسي يستمع لأكثر من خبر ويصل له أكثر من معلومة، وهنا عليه التمييز بين الغث والسمين من خلال مناهج دراسية أكاديمية قبل أن يقوم بالربط بين هذه المعلومات في إطار معرفي إدراكي تحليلي حتى يخرج بنتائج تحليلية واقعية أولا ثم استشرافية ثانيا. وعلم الاستشراف هنا هو علم جديد له أيضا مناهجه ونظرياته وأدواته وليس علم تنجيم أو رميا بالغيب. ولذلك فأن علم التحليل السياسي إن جاز لنا استخدام هذا المصطلح هو علم له أصوله، وليس يدخله كل ما هب ودب لاسيما وأننا في مجتمع كل ما فيه يدعي التحليل السياسي، وحسب ما قاله الدكتور علي الجرباوي ـ ستاذ دكتور العلوم السياسية في جامعة بيرزيت -: " ما أصعب أن تكون أستاذا في العلوم السياسية في مجتمع كله يدعي الفهم في السياسة". فالكل في مجتمعنا يدعي فهم السياسة، والكثير يدعون التحليل السياسي. وهنا نجد الكثير من التخبط والتناقض في تحليلاتهم التي تنم عن عدم علم وعدم خبرة، لاسيما وأن الكثير منهم ينطلق من منطلقات حزبية أو أهواء شخصية. فيكون ما ينشره ليس تحليلا سياسيا، بل تحامل من منطلق كما قلنا حزبي أو أهواء شخصية أو يكون أيضا بيعا للأوهام ضمن المنطلق الحزبي والشخصي. وهنا تكمن القضية للأخطر والأهم وهو أن احيانا كثيرة لا يكون التحليل نابعا من فهم وإدراك وتشخيص وتحليل واستشراف بل يكون نابعا من أمنيات أكثر من تحليل علمي دقيق، وهذا ما أشاهده واتابعه يوميا على صفحات التواصل الاجتماعي أو عبر الفضائيات. فهناك من يضخم الإنجازات، ويغض الطرف عن الإخفاقات حسب توجهه الحزبي أو رؤية القناة الفضائية، بل يدخل البعض ضمن إطار التشويه والذباب الألكتروني. ولذلك اجد فلان أو علان يبيع الأوهام ويطرح أحلامه وأمانية الشخصية والحزبية، ويدخل في باب التفسيرات الدينية الغيبية. فيدخل القارىء والمتابع في دوامة من تزييف الوعي سواء لأغراض حزبية أو أهواء شخصية أو ضمن فريسة الحرب النفسية. فكم من محلل سياسي نقل حرفيا شطط الخطط الأمريكية والأسرائيلية تجاه مستقبل غزة السكني والسكاني، دون أن يأخذ في الحسبان تحديات الواقع القائم. وكم من محلل سياسي فلسطيني نقل حرفيا التحليلات الإسرائيلية المغرضة والهادفة لتدمير المجتمع الفلسطيني نفسيا واجتماعيا. وكم من محلل سياسي طبل وزمر لأوهام النصر وتساوق كبوق لتصريحات وشعارات عنترية أو غيبية لا صلة لها بالواقع. 
اذكر هنا أنه تم استضافتي من قبل راديو دويتشه فله، وهو إذاعة ألمانية شهيرة بعدة لغات بينها العربية، وذلك في النصف الأول من سنة 2007م، وكان أيضا معي البروفيسورة هليغى باومغارتن أستاذة العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، والصحفي المصري الشهير أشرف أبو الهول - رئيس تحرير صحيفة الأهرام، وكان موضوع الحلقة والنقاش التحشد الفتحاوي الحمساوي ومستقبل المناوشات والنزاع بينهما، وقدمت رأيي أنه نزاع سوف يتم احتواءه فلسطينيا أو عربيا ولن يتطور إلى صراع مفتوح على اعتبار أن الدم الفلسطيني خط أحمر للطرفين. فيما كان الضيفان الآخران يتجهان في نقاشهما إلى تطور النزاع إلى وضع أكثر شدة ودموية في سبيل الاستحواذ على السلطة، وأن كل طرف يدعي امتلاكه الشرعية الانتخابية. ثم طبعا تطور الأمر كما يعرف الجميع نحو انقلاب دموي أطاح بكل الخطوط الحمراء. 
وهنا اعترف أنني في ذلك الوقت قد وقعت أسير العاطفة الفلسطينية الوطنية، وأنني عبرت عن أمنيات أكثر مما عبرت عن تشريح واقعي وعقلي للقضية.
بينما في حادثة أخرى قلت لمدير إذاعة ألوان في سنة 2008م وذلك قبل عدوان الاحتلال الاسرائيلي 2008م بيومين، وهو من عائلة العاوور، ومقدم البرنامج كان صديقي عبد الهادي مسلم وكان الموضوع حول التهديدات الاسرائيلة بعد إعلان انتهاء التهدئة من قبل حركة حماس. قلت له إن العدوان سيكون خلال أيام فقط. وذلك من وجهة تحليلي للأمور. فقال لي صاحب الإذاعة: كن متزنا يا دكتور وبلاش تخوف الناس. فقلت له: يعني ما أقول حقيقة ما اعتقد وما حللت. فابتسم وقال: بلاش يأتي التخويف من اذاعتنا. وحاولت أثناء النقاش في حلقة البرنامج أن أكون متزنا وهادئا ولا أطرح كل ما عندي مباشرة. ففي كثير من الأحيان لا يرغب الجمهور في معرفة الحقيقة عارية لأنها مؤلمة. 
لذلك أدرك صعوبة الأمر في قضية التحليل السياسي، وأدرك أنه لا مهنية صحفية مطلقة، وأدرك أنه لا موضوعية مطلقة في كل ما هو إنساني، ولكن اطلب من كل من يتصدر المشهد السياسي تحليلا أن يكون متزنا فيما يقول بعيدا عن الحزبية والأهواء الشخصية والأماني والأحلام والتفسيرات الغيبية.

غزة
27/3/2026

البوابة 24