بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، تتعرض فيها القضية الفلسطينية لمحاولات تصفية ممنهجة، تعود العلاقة الأردنية–الفلسطينية لتؤكد حضورها كحقيقة راسخة لا تقبل الجدل أو التأويل. فهي ليست علاقة طارئة فرضتها السياسة، بل امتداد طبيعي لوحدة جغرافية وتاريخية وإنسانية، صاغتها الأرض المشتركة وروابط الدم والمصاهرة، وعمدتها تضحيات مشتركة في مواجهة الاحتلال ومشاريعه. لقد شكّلت فلسطين عبر التاريخ خط الدفاع الأول عن أمن الأردن وسيادته ووحدته الجغرافية، كما كان الأردن دومًا السند والعمق الاستراتيجي لفلسطين، بما يجسد معادلة تكامل لا يمكن فصل طرفيها. فالقواسم المشتركة بين الشعبين ليست مجرد علاقات جوار، بل هي روابط متجذرة في النسب والتاريخ والنضال المشترك، ما يجعل أي محاولة لشق هذه الوحدة أو النيل منها ضربًا من الوهم السياسي. لم تكن العلاقة بين الأردن وفلسطين يومًا مجرد علاقة بين دولتين، بل هي علاقة مصير مشترك وحضارة واحدة، كتبت فصولها بدماء الشهداء منذ بدايات القرن العشرين. من مقاومة الاستعمار البريطاني، إلى معارك الدفاع عن القدس عام 1948، وصولًا إلى معركة الكرامة عام 1968 التي شكّلت نموذجًا للوحدة في مواجهة العدوان، مرورًا بمحطات النضال المختلفة في لبنان والضفة الغربية، ظل الدم الأردني والفلسطيني يمتزج دفاعًا عن قضية واحدة ومصير واحد. وفي هذا السياق، رسّخ الميثاق الوطني الأردني عام 1991 مفهوم المصير المشترك، باعتباره ركيزة من ركائز الاستقرار الوطني، فيما بقيت العلاقات الأردنية–الفلسطينية تتطور على قاعدة التنسيق والتكامل، بما يخدم تطلعات الشعبين نحو الحرية والاستقلال وبناء مستقبل عربي مشترك. لقد عبّر جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين عن هذا الترابط بوضوح في مواقفه الثابتة، مؤكدًا أن الأردن لن يقبل بأي محاولات لتهجير الفلسطينيين أو فرض حلول على حسابه، وأن ذلك يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأردني وتصفية للقضية الفلسطينية. كما شدد جلالته على أن السلام العادل لا يمكن أن يتحقق إلا بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وتنسجم مواقف الحكومة الأردنية، برئاسة الدكتور جعفر حسان، مع هذه الرؤية، حيث تؤكد في مختلف المحافل رفضها القاطع لمشاريع الوطن البديل والتوطين، وتمسكها بالثوابت الوطنية، وفي مقدمتها حماية الهوية الفلسطينية والحفاظ على الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني. وفي مواجهة التصعيد الإسرائيلي، وما يحمله من سياسات ضم واستيطان وتهجير قسري، كثّفت القيادة الأردنية تحركاتها الدبلوماسية لتشكيل موقف دولي ضاغط، يحول دون تنفيذ هذه المخططات التي تهدد بإشعال المنطقة وتقويض فرص السلام. وقد عبّر وزير الخارجية الأردني بوضوح عن هذا التوجه، حين أكد أن أي ضم للأراضي الفلسطينية يعني اختيار إسرائيل للصراع بدلًا من السلام، ويقضي على حل الدولتين. إن قوة ومتانة العلاقة الأردنية–الفلسطينية تمثل سدًا منيعًا في وجه المشاريع الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها مشاريع التهويد والترانسفير. كما أن تعزيز التنسيق المشترك، سياسيًا واقتصاديًا، يشكل أداة فاعلة لمواجهة السياسات الإسرائيلية، خاصة في ظل الحاجة إلى إعادة النظر في الاتفاقات الاقتصادية التي كرّست التبعية وأضعفت القدرة على الصمود. وفي خضم هذه التحديات، يواصل الأردن وفلسطين العمل على تصليب الموقف العربي، وإعادة إحياء التضامن العربي في مواجهة مشاريع الضم وصفقات التسوية المجحفة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن وحدة الموقف هي السبيل الوحيد لحماية الحقوق العربية. وحماية الامن القومي العربي وتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك لحماية السيده الوطنية العربية من أي اعتداء ومواجهة المخاطر التي تتهدد بلدان الوطن العربي إن الأردن وفلسطين، قيادة وشعبًا، يقفان اليوم في خندق واحد لإفشال مخططات تصفية القضية الفلسطينية، مستندين إلى شرعية دولية واضحة، وإلى إرادة سياسية صلبة، وإلى تاريخ طويل من النضال المشترك. فهما ليسا مجرد دولتين متجاورتين، بل توأمان في الجغرافيا والتاريخ، يجمعهما مصير واحد لا يمكن فصله. وفي المحصلة، تبقى الحقيقة الثابتة أن الأردن وفلسطين روح واحدة في جسدين، وأن وحدتهما تشكل مصدر قوتهما في مواجهة التحديات. ومهما اشتدت الضغوط وتعاظمت المؤامرات، فإن هذه العلاقة ستظل عصية على الكسر، وقادرة على إفشال كل مشاريع التهويد والتهجير، وصولًا إلى تحقيق السلام العادل الذي يضمن للشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
