بقلم: النقابية أ.اعتماد أبو جلالة*
تمثل النساء الرياديات في قطاع غزة اليوم نموذجاً استثنائياً للصمود والقدرة على "ابتكار الحياة" وسط ركام الحرب ، فبعد سنوات من الحصار وعامين ونصف من حرب الإبادة والمعاناة والدمار والنزوح والموت ، لم تكتفِ المرأة الغزية بدور الضحية، بل تحولت إلى محرك أساسي للتعافي الاقتصادي والاجتماعي.
فقد تسببت الحرب في دمار هائل طال أكثر من 70% من المشاريع التي تملكها النساء في بداياتها ، فقد فقدت الكثير من الرائدات أعمالهن وأحلامهن نتيجة قصف المنشآت، انقطاع التيار الكهربائي والإنترنت، وصعوبة تأمين المواد الخام.
ورغم فقدان الموارد برزت مبادرات نسائية رائدة ركزت على الاستجابة الطارئة وتحويل الأزمات إلى فرص ، فقد اتجهت نساء نحو إنتاج بدائل للسلع المفقودة باستخدام موارد محلية بسيطة لمواجهة المجاعة ونقص الإمدادات ، وقامت بإنشاء افران الطين للخبز في داخل المخيمات ومراكز الايواء واعادت العمل في مطبخها الريادي ، كما برزت رياديات نسائية في تنظيم الملاجئ وتوفير الرعاية الصحية والنفسية للأطفال والنازحين، مما خلق شكلاً جديداً من "الريادة المجتمعية".
ورغم ضعف البنية التحتية، حاولت بعض الرياديات استعادة نشاطهن في مجالات البرمجة والتصميم والخدمات الرقمية لتجاوز قيود الحركة والجغرافيا ، كما أصرت الرياديات صاحبات مشاريع الخياطة وتصميم الأزياء والتطريز وصناعة الدمى وإعادة تدوير الملابس لاعادة الروح لمشاريعهن التي دمرت بفعل الة الحرب البشعة.

من هنا تأتي فرص تعافي النساء الرياديات في محافظات غزة رغم ركود الاقتصاد الفلسطيني ركوداً ممتداً، حيث انخفض الناتج المحلي بنسبة 24% عن مستويات ما قبل الحرب وتواجه الرياديات عوائق مركبة تشمل ضعف القدرة الشرائية وانهيار الدخل المحلي مما بات من الصعب تسويق المنتجات غير الأساسية و صعوبة إيصال المنتجات الغزية إلى الأسواق الخارجية ، والاعتماد المفرط على المنح المؤقتة بدلاً من استثمارات مستدامة تدعم إعادة بناء المشاريع المدمرة.
رياديات غزة المحرك السري للتعافي الاقتصادي بعد عامين من الصراع
بينما تنشغل التقارير الدولية بإحصاء أطنان الركام وحجم الدمار في قطاع غزة، هناك "محرك سري" يعمل بهدوء وقوة لإعادة الحياة إلى الشرايين المتوقفة ، إنها المرأة الغزية، التي لم تكتفِ بكونها "حارسة البقاء" في الخيام، بل تحولت إلى العمود الفقري للاقتصاد المحلي في مرحلة ما بعد الحرب.
فبعد عامين من الصراع، برزت ملامح ريادة نسوية فريدة من نوعها ، ولم تعد المشاريع تهدف للرفاهية، بل لسد فجوات حيوية تركها انهيار المصانع والمنشآت التجارية والمشاريع الريادية الصغيرة ومتناهية الصغر .
قامت دائرة المرأة في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين بالتواصل مع الرياديات ومتابعة اوضاعهن والام وصلت مشاريعهن خلال زيارات ميدانية لمواقع عملهن .

تعاونية المروج الخضراء للتصنيع الغذائي وتجفيف المفتول
في الزوايدة، نجد نموذجاً ملهماً في "تعاونية المروج الخضرا ء للتصنيع الغذائي و"أكلات شيري" منظومة متكاملة لإنتاج "المفتول البلدي" وخلال الحرب عملت على تحويل الموارد البسيطة إلى غذاء مستدام يكسر حدة الاعتماد على المعلبات المستوردة.
المروج الخضراء التي تديرها الريادية شهرزاد أبو سويرح ، هي وحدة تعاونية متخصصة في التصنيع الغذائي المنزلي والتقليدي ، يشتهر المشروع بإنتاج المفتول الغزي الأصيل (المفتول البلدي)، بالإضافة إلى المعجنات، والكعك والمعمول، والأكلات الشعبية ، فبعد تضرر الكثير من المنشآت ، انتقل العمل في الوحدة إلى "مطبخ إنتاجي" في الزوايدة يعتمد بشكل أساسي على الأيدي العاملة النسائية (10 سيدات)، مع التركيز على تجفيف المفتول وتغليفه لضمان صلاحيته لفترات طويلة في ظل انقطاع الكهرباء.

خلال الزيارة لاحظنا ان الواقع يفرض على العاملات في التعاونية مواجهة العديد من التحديات منها أزمة الوقود والغاز حيث بات الاعتماد بشكل كبير على "أفران الحطب" الكبيرة لطهي كميات ضخمة من المفتول ، وصعوبة الحصول على العبوات البلاستيكية مما يضطرهم أحياناً لاستخدام بدائل أبسط لتوزيع المنتج ، المشروع حالياً يوازن بين "الربح البسيط" لاستمرار توفير دخل للعاملات وبين "الدور الاجتماعي" عبر تجهيز وجبات للمتضررين في مخيمات النزوح القريبة في الزوايدة والنصيرات.

التعليم وسط خيمة دون لوجستيات
الريادة النسوية لم تقتصر على الغذاء، بل امتدت للعقل ، في قلب مخيمات النازحين بالوسطى، برزت "مدرسة أرض الزيتون" كأول مدرسة "خيام" ريادية في الزوايدة منطقة الشاليهات، هذا المشروع لم ينتظر ميزانيات الإعمار، بل استخدم الشوادر والخيام وبعض من الفرشات ليجلس عليها الطلاب متحدين الظروف الصعبة ، وتطوعت العاملات من المعلمات للعمل بلا رواتب ولا عقود عمل ولا اية ضمانات تتعلق بمعايير العمل اللائق ولكن كان الهدف ضمان عدم ضياع جيل كامل وعلى أمل انصاف المدرسات وتبني اية مؤسسة لهذه المدرسة الواعدة .

التعافي المعنوي والتراثي
لم يكن التعافي مادياً فحسب، بل كان معنوياً وتراثياً ، صابرين أبو مدين في "مركز سلمى للأزياء التراثية العصرية "، وصفاء أبو عطايا في مشروع "فكرة بإبرة"، ومركز نور للتدريب المهني في تصميم الأزياء لصاحبته نور النملة ، وبربرة موضة لصاحبته الريادية المبدعة أحلام صالح .. مشاريع ريادية لنساء أثبتن أن "الغرزة" الفلسطينية سلاح اقتصادي من خلال تشغيل مئات المطرزات في منازلهن وخيامهن، تحول التطريز من حرفة جمالية إلى "شبكة أمان اجتماعي" توفر الدخل لآلاف العائلات التي فقدت معيلها وتجعل من إعادة تدوير الملابس أداة مقاومة لغلاء الأسعار وشح الملابس في المحلات التجارية وصمام امان للأسر الفقيرة وتصمم الأزياء العصرية بإبداع واتقان وحرفية عالية .

تعتبر نور النملة من الأسماء الشابة
والطموحة التي أسست مركزاً متخصصاً في تصميم الأزياء والتدريب المهني ، المركز لا يكتفي بإنتاج الملابس، بل يركز على "الأكاديمية المهنية" ، ويقوم بتدريب الفتيات والسيدات على أصول التصميم، الباترون، والخياطة الحديثة، بهدف تمكينهن من فتح مشاريعهن الخاصة من منازلهن ، واجه المركز تحديات كبيرة بسبب فقدان الأجهزة الكهربائية (ماكينات الدرازة والقص الحديثة)، في مرحلة التعافي، ركزت نور على التدريب اليدوي والتقنيات البسيطة التي لا تتطلب طاقة مستمرة، وحاولت الحفاظ على تواصلها مع المتدربات عبر مجموعات رقمية لتقديم الاستشارات الفنية في ظل النزوح.
مشروع "فكرة بإبرة"
الريادية صفاء أبو عطايا هي صاحبة مبادرة "فكرة بإبرة"، وهو مشروع يتميز بلمسة إبداعية خاصة في عالم الأشغال اليدوية والتطريز، تعتمد "فكرة بإبرة" على تحويل خيوط الصوف والتطريز إلى قطع فنية وعصرية (إكسسوارات، حقائب، وملابس أطفال) ،و ما يميز صفاء هو قدرتها على "تحديث" التراث، بحيث لا يقتصر على الأشكال التقليدية فقط ، مشروع صفاء يتميز بكونه "مشروعاً متنقلاً" بطبيعته؛ فالإبرة والخيط رفيقان لا يحتاجان لمصانع ضخمة ، خلال فترة الحرب والنزوح، استمرت صفاء في العمل والإنتاج بما توفر من مواد أولية، بل وحولت مشروعها إلى وسيلة للدعم النفسي لبعض النساء حولها عبر تعليمهن الحرفة لتفريغ الطاقات السلبية وتأمين دخل بسيط.

بربرة موضة
الريادية أحلام صالح التي كرست جل جهدها لانشاء مشروعها الريادي الذي نبع من شغفها بتصميم الأزياء وانشأت المشروع اتيليه للخياطة وتصميم الأزياء قبل الحرب في منطقة المخابرات ثم انتقلت الى جباليا النزلة شارع مسعود وقامت بتطوير المشروع وافتتحت معرض بربرة موضة للعبايات المستوردة في يوم المراة بالتحديد الذي استمر مدة 7 شهور قبل السابع من أكتوبر وللأسف تم تدميره بالكامل خلال الحرب ، ولكنها لم تيأس وقامت باستئجار مكان للسكن في مدينة الزوايدة وخصصت جزءا منه لمشروعها وضعت فيه ماكيناتها التي بالكاد استطاعت توفيرها من جديد ، وبدأت مشروعها للمرة الثالثة متحدية كل الصعوبات المتعلقة بالتواصل مع الزبائن وانقطاع الكهرباء ومنع الاستيراد وصعوبة التوصيل .
مزارعات الصمود إيمان أبو ملوح نموذجاً
وفي قطاع الإنتاج الحيواني، الذي شهد دماراً واسعاً، تبرز قصص نساء مثل الريادية إيمان أبو ملوح في النصيرات، التي اعادت بناء حظائر الدواجن من الصفر، وجعلت من بيتها مصدر دخل من خلال ايمانها وحبها في تربية الدواجن هؤلاء المزارعات لا ينتجن البيض واللحوم فحسب، بل يرممن "الأمن الغذائي المفقود" لمجتمعاتهن المحلية، متحديات نقص الأعلاف وارتفاع التكاليف.

مطبخ يتحول الى ملاذ اقتصادي ونفسي لزوجات الشهداء
"مطبخ البيت الفلسطيني" في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة أيقونة للريادة الاجتماعية التي وُلدت من رحم الفقد، فهو ليس مجرد مشروع لطهي الطعام، بل هو "ملاذ اقتصادي ونفسي" أسسته وأدارته مجموعة من زوجات الشهداء اللواتي قررن تحويل حزنهن إلى قوة إنتاجية تحمي عائلاتهن من العوز
تأسس المطبخ في النصيرات بمبادرة من سيدات فقدن معيلهن، حيث اجتمعن لتقديم الوجبات التراثية الفلسطينية (مثل المفتول، السماقية، والقدرة)، الهدف الأساسي كان خلق فرص عمل مستدامة لزوجات الشهداء، لتمكينهن من إعالة أطفالهن بكرامة واستقلالية بعيداً عن انتظار المساعدات الإغاثية المتقطعة
وما يميز هذا المشروع الريادي في النصيرات إدارة المطبخ بروح الفريق، حيث تتقاسم الزوجات الأدوار بين الطهي، التغليف، والتسويق ، والحفاظ على التراث والتركيز على الأكلات الشعبية التي تتطلب مهارة يدوية عالية (Handmade)، مما جعل للمطبخ "سمعة طيبة" وزبائن دائمين حتى في أصعب الظروف ، وسلسلة القيمة المحلية يعتمد المطبخ على شراء الخضروات واللحوم من مزارعين وتجار محليين في النصيرات، مما يحرك العجلة الاقتصادية للمخيم
واجه المطبخ في النصيرات تحديات
مصيرية، لكنه استطاع التعافي عبر التحول إلى "مطبخ إغاثي" خلال فترات النزوح الكبرى إلى النصيرات، تعاقد المطبخ مع مؤسسات دولية لتجهيز آلاف الوجبات الساخنة للنازحين، مما ضمن استمرار رواتب العاملات وتوفير الطعام للمحتاجين ، ومع انقطاع الغاز، اعتمدت السيدات على "أفران الطين والحطب" داخل المطبخ للاستمرار في العمل، متحديات الحصار التقني والمادي.
يمثل المطبخ مساحة آمنة لهؤلاء السيدات لتفريغ الضغوط النفسية ومشاركة الهموم المشتركة، مما يعزز صمودهن النفسي أمام أهوال الحرب .
نجح "مطبخ البيت الفلسطيني" في النصيرات في تغيير الصورة النمطية لزوجة الشهيد من "متلقية للمساعدة" إلى "صاحبة عمل ومبادرة". اليوم، يوفر المشروع الدخل لعشرات العائلات، ويساهم في تعليم أبناء الشهداء في الجامعات من ريع هذا الجهد المبارك.
Golden Hub مساحة عمل في وسط مدينة غزها تديرها مرأة
تعتبر هدى الصفدي واحدة من الرياديات البارزات في قطاع غزة التي استطاعت نقل مفهوم "العمل الحر" (Freelancing) إلى مستوى مؤسسي من خلال مشروعها "Golden Hub"، والذي يُعد حاضنة ومساحة عمل مشتركة تخدم فئة الشباب والرياديين.
تأسس Golden Hub ليكون وجهة للمستقلين (Freelancers) والشركات الناشئة في غزة ، بهدف توفير بيئة عمل احترافية، إنترنت سريع، كهرباء مستمرة (عبر الطاقة الشمسية)، وقاعات للتدريب والاجتماعات ، وبرؤية تمكين الشباب الغزي من اختراق الأسواق العالمية عن بُعد لتجاوز البطالة والحصار الجغرافي.
واجه المشروع الصفدي تحديات وجودية حيث تعرضت المساحات المجهزة بأحدث التقنيات والأثاث المكتبي لأضرار بالغة و تدمير جزئي نتيجة القصف ، إضافة الى الانهيار المتكرر لشبكة الإنترنت والاتصالات جعل من الصعب تقديم الخدمات الأساسية للمستقلين الذين يعتمد عملهم على الاتصال الدولي.
هدى، كمديرة للمشروع، لم تتوقف عند فقدان المكان، بل تبنت استراتيجية "المرونة الرقمية" ، استمرت في إدارة "مجتمع Golden Hub" عبر الإنترنت، وتقديم الاستشارات والتشبيك للمستقلين مع شركات خارج غزة لمساعدتهم على تأمين دخل في ظل الأزمة.
حاولت هدى وفريقها البحث عن أماكن بديلة (حتى لو كانت بسيطة) مزودة بالطاقة الشمسية والإنترنت الفضائي أو بدائل محلية لتمكين المبرمجين والمصممين من إنهاء تسليم مشاريعهم الدولية ، و استمر المركز في تنظيم دورات (عبر الإنترنت أو في مساحات آمنة مؤقتة) لتعليم الشباب مهارات "اقتصاد الحرب الرقمي" وكيفية الحصول على تمويل للمشاريع الصغيرة.
عام 2026، يمثل Golden Hub أكثر من مجرد "مكتب"؛ إنه شريان حياة اقتصاد ريادي ، هدى الصفدي تُثبت أن الريادة في غزة لم تعد تتعلق "بالجدران والمباني"، بل بالعقول والشبكات التي تستطيع العمل والإنتاج رغم انقطاع السبل.
إن ما تقوم به المرأة في غزة اليوم هو تعريف جديد للريادة؛ فهي ريادة لا تقاس بمعدلات النمو السنوية، بل بـ "عدد الأفواه التي أُطعمت، والعقول التي عُلمت، والبيوت التي استترت بجهد نسائي خالص ، إنها المحرك الحقيقي الذي يثبت أن غزة قادرة على النهوض، ليس فقط عبر المساعدات، بل عبر سواعد ريادياتها اللواتي يغزلن من الألم مستقبلاً أفضل.
نقابية وصحفية وناشطة نسوية
عضو لجنة تنفيذية
ومدير دائرة المراة في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين – محافظات غزة
عضو مجلس إدارة النقابة العامة لعمال الغزل والنسيج
