أثرياء الحروب والانحطاط المجتمعي

بقلم: د. خالد محمد صافي

 

لم أرد أن أتحدث كثيرا في الشأن السياسي طيلة فترة الحرب تقريبا نظرا لحالة التعقيد في المشهد السياسي المحلي والعربي والدولي، ونظرا لأنه الواقع أشد قتامة من اي رتوش أو بلياتشو تحليلي، وفوق كذلك لم يعد الحديث الموضوعي يرضي أطراف المعادلة وهم في أوهام نصرهم فرحون. ولكن على المثقف أن يعيش واقع شعبه، وتفاصيل قضيته. يحمل هموم وطنة، ويبث الأمل حتى في رماد الواقع وخرائبة، وتلال ركامه. ولكن الواقع ببؤسه وشقائه قد قسم ظهر المثقف، ولم يعد المثقف أخر من ينهزم أو ينكسر. فقد تراجع دور المثقف، وتدهور وضع المتعلم والأكاديمي، وطفا على السطح أنصاف المتعلمين، وأنصاف المثقفين، بل طفا على الجميع اثرياء الحرب، ولصوص المساعدات، وناهبي الوطن من كثير من المبادرين والمبادرات إلا من رحم ربي. وكوننا ندرك أن الحروب في الغالب تفرز طبقات اجتماعية اقتصادية من أثرياء الحرب،.هذه الفئة التي تحاول الظهور بمظهر طبقة اجتماعية جديدة هي فئة صعدت على أكتاف الشعب، واغتنت من نهش أشلاء لحمه، ونزف دمه. وضربت بكل الأعراف الاجتماعية، والقيم الدينية والأخلاقية بعرض الحائط. ومارسوا في كثير من فترات الحرب دور البطولة كمصاصي دماء، وخفافيش الليل، وكبوم لا يعيش إلا على أنقاض الخراب. وربما يمكن القول كطابور خامس يقوض دعائم السلم الأهلي والأمن المجتمعي، والأمن الغذائي. 

هذه الطبقات حديثة النعمة تفتقر إلى الضوابط الاجتماعية والأخلاقية والتربوية الوطنية كون هذه الفئة قد اغتنت ليس ضمن إطار تقليدي مالي أو اقتصادي، أي ليس ضمن تراكم طبيعي متدرج لرأس المال. بل أن هذه الفئة قد جمعت الأموال بطرق غير مشروعة، وبطرق تفتقر إلى المعايير الاقتصادية والضوابط الاجتماعية، أي أن هذه الفئة التي تحاول إثبات حضورها الاقتصادي والمالي في المجتمع لا تنتمي إلى العقل الجمعي الفلسطيني الوطني، وأنها فئة انتهازية انتفاعية استخدمت المبدأ الميكافيلي " الغاية تبرر الوسيلة"، وبالتالي تفتقر هذه الفئة إلى المرجعية الدينية أو القيمية أو الأخلاقية المتعارف عليها. أي أن ثقافتها هي ثقافة نفعية فهلوانية تعتمد على مبدأ المصلحة الشخصية، أو أنا ومن بعدي الطوفان، ومعظم أفراد هذه الفئة هم بالأساس من الفئة الدنيا، أو فئة العالم السفلي. وكونهم محدثي نغمة فهم يفتقرون إلى أي ثقافة أو تربية، فكل ما يريدون إبرازه هو السعي نحو البذخ والمظاهر الكذابة، واستعراض غناه من خلال السيارات الفارهة، والمطاعم والكافيهات، التي تشكل واجهة لتبيض الأموال التي تم جمعها بطرق غير مشروعة. وهذه الفئة نجد لها مثيلا في عصر الانفتاح الاقتصادي في مصر في سبعينيات القرن الماضي، وفي تجار الانفاق في قطاع غزة في فترة الحصار المشدد بين 2008- 2014م، وأيضا فترة الحروب والأزمات الاقتصادية. وبالتالي فإن هذه الفئة تحاول أن تخرج بمظاهر اجتماعية، وبذخ اجتماعي اقتصادي يخالف المحيط الاجتماعي البائس. وبالتالي لا يشكلون هؤلاء جزء من العقل الجمعي الوطني بل قد يقتربون من كونهم فئة تغرد خارج السرب. وحتى لو ادعت هذه الفئة الوطنية أو حاولت أن تلبس ثوب الدين فهي فئة في حقيقتها انتهازية ويهمها مصلحتها الخاصة، وعلى استعداد أن تدوس على كل هو وطني وديني في سبيل تحقيق مأربها. ولذلك لا غرابة أن تقوم هذه الفئة بالرقص على الجراح، وأن تقوم بعمل الحفلات الباذهة لإثبات وجودها، وإظهار نفسها كطبقة أو فئة لها حضورها الاقتصادي والاجتماعي.

وقد تدعي هذه الفئة أن ما تقوم بها من حفلات باذخة هو من أجل إيجاد بصيص أمل، أو من أجل تعزيز الصمود والتحدي، تحت شعار استمرارية الحياة. هي تستطيع أن تغلف أطماعها ونهمها للمال، وهذيان الاستعراض الاجتماعي لإثبات حضورها وتحقيق مصالحها، ومحاولة الظهور بمظهر انساني كجزء من مكونات الشعب، ونسيجه الاجتماعي. وتحاول أن ترتدي قناع الوطنية والصمود وبث الأمل في النفوس.

اعتقد أن تعزيز الصمود والتحدي يكون بدعم صمود الشعب على أرضه، وعدم مص دمه من خلال سرقة مساعداته، أو غلاء الأسعار الفاحش، أو المتاجرة بقضيته وبؤس واقعه في مبادرات وجهها خيري إنساني وباطنها جشع وطمع ومتاجرة بمعاناة شعب وآلامه. ومن يريد أن يبث الأمل في مجتمعه وشعبه فيمكن بث الأمل من خلال دعم مسيرة التعليم التي تعاني من تدهور وتراجع يهدد مستقبل الأجيال الجديدة، فالأمل دوما هي في الأجيال الصاعدة. أما الكذب والترويج المخادع لهذه الفئة في سلوكها وممارساتها الاجتماعية والاقتصادية فهو ما يؤكد ما قلناه أعلاه أن هذه الفئة لا صلة لها بالدين الحق، والقيم الأخلاقية الحقة، ولا صلة لها بالوطنية. وأن هذه الفئة لا يضيرها الكذب ولبس الأقنعة والتنطع ولبس أثواب الدين والوطنية، فهي وجوه خلفيتها العالم السفلي مهما حاولت أن تلبس قناع الاخلاق والدين والوطنية. وبالتالي فإن ما يمارس من قبلها لا يدخل في باب حرية الرأي أو الحرية الشخصية لأن ما يمارس يشكل خروجا عن المألوف، وخروجا عن العقل الجمعي الحزين والمكلوم، وخروجا عن قيم وعادات المجتمع في تضامنه وتكافله. فالحرية الشخصية لا تعنى الرقص على جراح الغير، والحرية الشخصية لا تعني التمرد على قيم وأخلاق مجتمع يمر بأصعب لحظات واقعه البائس، ومصير مستقبله التائه، ومشروعه الوطني الذي تتقاذفه أعاصير السياسة. 

غزة

29/3/2026

البوابة 24