العودة إلى الوقود الأقذر.. ارتفاع أسعار الغاز يعيد الفحم بقوة إلى الواجهة

فحم
فحم

تشهد أسواق الطاقة العالمية تحولات حادة مع تصاعد الاضطرابات في إمدادات النفط والغاز، ما دفع العديد من الدول، خاصة في آسيا وأوروبا، إلى العودة لاستخدام الفحم، رغم كونه أكثر مصادر الطاقة تلويثاً للبيئة.

هذا التحول المفاجئ يهدد بتقويض سنوات من الجهود الدولية الرامية إلى خفض الانبعاثات الكربونية، ويعيد طرح تساؤلات جدية حول مستقبل التحول نحو الطاقة النظيفة.

اضطرابات الخليج تشعل أسواق الطاقة العالمية

أدى تصاعد التوترات في الخليج العربي إلى إرباك إمدادات النفط والغاز، في ظل تداعيات الضربات العسكرية والتوترات الإقليمية، بما في ذلك استهداف منشآت حيوية للطاقة.

هذه التطورات أعادت إلى الواجهة سيناريوهات أزمات الطاقة، ودفعت أسعار الغاز للارتفاع مجدداً، ما زاد الضغط على الدول المستوردة التي تعتمد بشكل كبير على الأسواق الخارجية.

الفحم يعود كخيار اضطراري في ظل أزمة الغاز

مع تكرار أزمات إمدادات الغاز خلال السنوات الأخيرة، وجدت العديد من الدول نفسها أمام خيار صعب: إما تحمل تكاليف الطاقة المرتفعة، أو العودة إلى الفحم كبديل متاح وسريع.

وفي هذا السياق، بدأت دول مثل اليابان بتوسيع استخدام محطات الفحم، بينما تعتمد الهند وبنغلادش بشكل متزايد عليه لتغطية العجز في الطاقة.

ويرى خبراء أن هذه العودة قد لا تكون مؤقتة فقط، بل قد تؤدي إلى تغييرات طويلة الأمد في سياسات الطاقة، خاصة في آسيا.

أوروبا بين التزامات المناخ وضغوط الأسعار

رغم التقدم الكبير الذي حققته أوروبا في تقليص الاعتماد على الفحم، إلا أن ارتفاع أسعار الغاز يعيد هذا الوقود إلى المشهد.

وتدرس دول مثل ألمانيا إعادة تشغيل محطات الفحم المتوقفة، فيما قد تزيد دول أخرى مثل بولندا والتشيك من استخدامها له، خصوصاً إذا استمرت الأسعار عند مستويات مرتفعة.

تشير التقديرات إلى أن إنتاج الكهرباء من الفحم في أوروبا قد يرتفع بنحو 20% خلال الصيف مقارنة بالعام الماضي، في حال استمرار أزمة الغاز.

آسيا في قلب التحول نحو الفحم

تُعد آسيا الأكثر تأثراً بهذه التحولات، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، وارتفاع تكاليف الغاز الطبيعي المسال.

وقد سجلت أسعار الفحم ارتفاعاً ملحوظاً، فيما بدأت دول مثل كوريا الجنوبية واليابان مراجعة سياساتها البيئية، والسماح باستخدام أكبر للفحم.

أما الهند، فتعزز إنتاجها المحلي وتعيد تشغيل محطات متوقفة لتلبية الطلب المتزايد، خاصة مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع استهلاك الكهرباء.

الغاز يفقد مكانته كوقود انتقالي

لطالما اعتُبر الغاز الطبيعي خياراً انتقالياً نحو الطاقة النظيفة، إلا أن الأزمات المتكررة وارتفاع أسعاره يضعان هذا التصور على المحك.

فبعد تداعيات الحرب في أوكرانيا، جاءت التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط لتعمّق أزمة الثقة في استقرار إمدادات الغاز، ما يدفع الدول لإعادة النظر في استراتيجياتها.

دعم سياسي يعزز عودة الفحم

في الولايات المتحدة، ساهم الدعم السياسي في إعطاء دفعة جديدة للفحم، حيث تم الإعلان عن مشاريع جديدة للطاقة تعتمد عليه، لأول مرة منذ سنوات.

هذا التوجه يعكس تحولات أوسع في السياسات العالمية، حيث باتت الأولوية لدى العديد من الحكومات هي تأمين الطاقة، حتى لو كان ذلك على حساب الأهداف البيئية.

هل تتراجع جهود خفض الانبعاثات؟

رغم أن التوقعات السابقة كانت تشير إلى بدء تراجع الطلب على الفحم خلال هذا العقد، إلا أن الأزمة الحالية قد تؤجل هذا المسار.

وتحذر تقارير دولية من أن ارتفاع استهلاك الفحم، حتى لو كان مؤقتاً، قد يؤدي إلى زيادة الانبعاثات بشكل كبير، ويعرقل تحقيق أهداف المناخ العالمية.

بين الضرورة والكارثة البيئية

يرى خبراء أن العودة إلى الفحم تمثل حلاً اضطرارياً في ظل الظروف الحالية، لكنها تحمل في طياتها مخاطر بيئية كبيرة.

وبينما تسعى الدول للحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة واستمرار الإنتاج، يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الأمن الطاقي وحماية المناخ.

 

وكالات