بقلم ا.د. خالد محمد صافي
انطلق مما كتبته الكاتبة أحلام مستغانمي في روايتها الرائعة " الأسود يليق بك"، بأن الفقير هو من لا ذكريات له، وأن الفقير من لا يتوسد الذكريات قبل نومه. فيأخذني خاطري إلى ما كنت أقوله لطلبتي في الجامعة ولا سيما الطالبات، عشن حياتكن الجامعية بذكريات جميلة، لا تكثروا من المناكفات، والغضب والعتب من الصديقات والزميلات. شاركن في رحلات الجامعة العلمية وغير العلمية. أملئن صفحات الذاكرة البيضاء بذكريات لحظات جميلة. غدا عندما تتخرجن، وتواجهن تفاصيل الواقع، وبؤس المحيط. وتعشن في بيوت جديدة مع ازواج وأسر جديدة ستفهمن واقع الحياة، وبؤسها وشراستها. هناك بعد التخرج ومواجهة واقع الوظيفة أو البطالة، واقع الزوج في مجتمع ذكوري، واقع صراع الحماة والكنة، ووقوع الزوج بين قطبي الرحى، أو فكي كماشة. هناك الواقع الحقيقي لا صفحات الكتب. عندما لا يعجبنا كتاب نغلقه، ونضعه على الرف قريبا أو بعيدا. لكن الواقع مختلف، فكم هي القضايا والمسائل والإشكالات التي لا تستطيعي طيها أو إغلاقها كما تغلقين صفحات كتاب. فكانت نصيحتي أن أكثرن من الذكريات الجميلة التي ستحتاجين لها في مواجهة أعباء الواقع وقسوة تفاصيل. هذه الذكريات سوف تهربين لها يوما، تقتاتين عليها كي تعينك على تقلبات الأحوال، وهذيان واقع متقلب مجنون، كجنون بحر غزة وهيجانه. وكأن البحر يستمد هيجانه وغضبه وتوتره من مزاج السكان القاطنين على شاطئه كما كتب الصحافي عبد الباري عطوان في سيرته الذاتية عن بحر غزة.
هنا يتقلب الزمن، ويلقي بثقله البائس واليائس على شاطىء البحر الحزين حينا، والهائج الغاضب حينا آخر. عندها نهرب إلى ما تبقى عالقا بين صفحات الذكريات، كي نستمد منه بصيص أمل يعيننا على مواجهة قتامة الواقع وبؤسه. وشراسة الموت في هجومه المحموم في نهش اجساد الطفولة الغضة، أو نهش ما تبقى من لحم في هياكل بشرية جوعى على قارعة الطريق. هنا نجول بين تفاصيل الذكريات على تلال الخراب، ورماد الركام في كل مكان. هنا يأتي همس ما تبقى من ذكريات كينابيع أمل وأماني تسري في شرايين الروح الجافة في تيه صحراء المحيط.
هنا نلهث وراء بقايا أشلاء أحلام متناثرة بين تكية عدس على قارعة الذل والهوان، وبين جمعية خيرية توزع كابونات الأرز والعدس ومعلبات البقوليات. كم هو تعيس الواقع عندنا يداهمنا بأعاصير الموت ولهب الجحيم يحرق الأجساد والأرواح والامنيات. يتهاوى البشر والحجر والشجر في دروب الإبادة، ومسالك المجهول. هنا يأتي من يتوسد على بقية باقية من ذكريات اللحظات كي تعيد للروح بعض نبضها بين تلال الخراب والركام. وصدى الموت الكامن في الأزقة والحارات.
فرفع أشرعة الإبحار في غياهب الذكريات، قد يبدد ملل لحظات الواقع التائه بين بحث عن شربة ماء، أو اللهاث وراء جربة ماء للاستحمام أو غسل أواني المطبخ، أو لهاث وطابور آخر من أجل ربطة خبز .... الخ. كل لحظة لسبر أعماق الواقع، هي لحظة سبر أعماق البؤس والشقاء. هي لحظة عيش على ضفاف الجحيم ومحاولة التعود عليه. فنجيب محفوظ يقول في إحدى رواياته " إن الإنسان يستطيع أن يعيش في الجحيم ويتعود عليه". هنا تأتي مقولة أنه يجب أن تتعايش مع الواقع وألا تترك لعقلك العنان، ولا تحتكم في فكرك وسلوكك للمنطق. فمن يسلك هذا الطريق مات مجلوطا، مشلولا، معزولا، مدحورا يا ولدي كما هي أغنية قارئة الفنجان للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ. قراءة فنجانك لا توحي إلا بالموت جنونا في حمى الجنون والإبادة والبربرية.
لا توحي إلا أنك مفقود يا ولدي في غياهب الجنون، أو سجون الهذيان على قارعة الزمن. فكل ما حولك من واقع قاتم، وكل ما حولك من شعارات وأوهام انتصارات تدفع بك إلى الجنون. وما عليك إلا الهرب إلى بقية ذكريات تقتات منها كي تبقى على شرفة الوجود الإنساني، والكرامة البشرية.
فهل كل الدروب أصبحت مسدودة، وما علينا إلا أن نهرب إلى بقية من ذكريات، أو نهرب بين ثنايا أبجدية في قصيدة رثاء، أو بين فواصل ونقاط قصة أو رواية نلوذ بها في فضاء سماء رمادية بعيدا عن لهيب واقع معاش. أم بين خليك ألوان زيتية في لوحة لواقع سريالي. هنا نستذكر ما خطه بطل رواية " ذائقة الموت" ، للروائي الأردني أيمن العتوم عندما حاصره الواقع ببؤسه وشقائه، وقضى على أحلامه الصغيرة، فأنشد مرددا
كل الدروب أمامك مسدودة
وخلاصنا بالرسم بالكلمات
ألوذ إلى صفحات ذاكرة تقطنها مدن عدة رام الله، عمان، ليماسول، برلين، استانبول، باريس، روما، دمشق، أوسلو، فيينا، القاهرة ... الخ مدن بكاملها، بضجيج محطات قطاراتها وباصاتها ومطاراتها تتجول داخلي، وها أنذا أقبع في منطقة صغيرة تلاحقها لعنة القدر والتاريخ.
يبدو تجاوزنا عيش الحياة إلى زمن الحكاية. كل ما كان عادة، وعلينا تغيير عادتنا. كنا نعتاد أن نعيش، علينا أن نعتاد الآن كي نحكي. وبين زمن العيش والحكاية حرب إبادة، وحرائق في صفحات الذاكرة. وتلال من رماد. وبقية من ذكريات نجترها كي نعتاد على سرد الحكاية.
غزة
31/3/2026
