بقلم الكاتب د. رياض علي العيلة
عضو المكتب الحركي للكتاب والأدباء
المحافظات الجنوبية
في الأيام القادمة، سيعيش المجتمع الفلسطيني حقبة هامة مع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني، والذي نأمل على الصعيد الفتحاوي أن لا يكون ساحة سباق للأسماء، بل اختباراً حقيقياً للقدرة على إعادة بناء التنظيم من الداخل واستعادة ثقة شعبنا الفلسطيني في آن واحد. هذا ما تلخصه الأصوات الصادقة التي تتصاعد من قاعدة الحركة في داخل فلسطين والشتات، مطالبة بوقف إعادة إنتاج التجارب الفاشلة وإخراج المؤتمر من دائرة المحسوبيات والوجوه المستهلكة إلى دائرة العمل والحفاظ على وحدتها داخلياً واستنهاضها جماهيرياً.
إن حجم البؤس والمصائب التي حلت بشعبنا، والجراح التي لم تندمل، والقهر المتواصل، تضع أمام المؤتمر الثامن مسؤولية تاريخية. فمن لا ترى عيناه هذه المأساة، وتتبلد مشاعره، ويتمسك بنزعاته الأنانية، فهو خارج دائرة المسؤولية الوطنية قبل التنظيمية. المرحلة لا تحتمل مجاملات، ولا تحتمل من يعيد تسويق الفشل ذاته بحجج مختلفة.
لطالما افتخرنا بأن حركة فتح هي أم الجماهير والشهداء والأسرى، وصانعة المشروع الوطني الفلسطيني. لكن المؤسف أن التنظيم عبر المؤتمرات السابقة يعيد نفس الأشخاص إلى الواجهة ليخوضوا نفس التجارب السابقة التي لم تعد تتناسب مع المتغيرات الوطنية والإقليمية والدولية، في الوقت الذي يُقصى فيه من لديهم القدرة على العطاء بلا مقابل. ومع كل الاحترام للحرس القديم الذين أفنوا عمرهم وقدموا عطاءهم لخدمة فتح والقضية، فإن إقصاء الدماء الجديدة وإبعادها عن المشاركة في القرار هو ضمان لاستمرار الجمود، الذي نأمل ألا يتم، وأن يكون للدماء الشابة دور مع القادة المؤسسين.
لطالما سمعنا ونسمع شعارات النهوض والتغيير التي لا نريدها حبيسة الأدراج، بل نريد أن يُختار أعضاء المؤتمر بناءً على الصندوق والقاعدة التنظيمية لنراها على الواقع الفتحاوي والجماهيري. لا نريد أن نكون أمام مؤتمر "مفصل" لخدمة مراكز قوى معينة، بل نريد أن نرى مخرجات هذا المؤتمر قادة جامعة للحاضنة الشعبية والتنظيمية، أتوا بتفويض حقيقي ولديهم القدرة والإمكانات الحقيقية لإقناع الكادر والشارع ببرامجهم.
استجابة لهذه الأصوات النابعة من وجع حقيقي، فإننا نطالب أعضاء المؤتمر الثامن القادمين أن يأخذوا ما يلي بعين الاعتبار:
أولاً: تحويل المؤتمر من سباق أسماء إلى اختبار برامج. لا يُسأل القادم: من سيصل؟ بل يُسأل: ماذا سيقدم؟ وكيف سيعيد الثقة بالفعل لا بالشعارات؟
ثانياً: قطع الطريق على المحسوبيات و"الدكاكين". المرحلة المقبلة صعبة، وتحتاج تكاتفاً حقيقياً من أصغر شبل إلى أكبر قيادي صادق، فلا مكان لمن يبحث عن مصلحة شخصية أو فئوية.
ثالثاً: محاسبة الماضي قبل الوعود بالمستقبل. لا يمكن إعادة بناء الثقة دون مواجهة صادقة لأخطاء الماضي، لأن الشعب والكادر فقدا ثقتهما من كثرة الشعارات الفارغة، والمطلوب فعل حقيقي ومحاسبة واضحة قبل أي وعود جديدة.
رابعاً: تمثيل حقيقي للقاعدة، فالمؤتمر الذي لا يعبر عن إرادة الصندوق والقاعدة التنظيمية سيكون مشوهاً منذ ولادته. الانتخاب الداخلي الشفاف هو الضمان الوحيد لمخرجات مقبولة وقادة مؤهلين.
خامساً: إفساح المجال لمن يقدم جديداً. فمن لم يعد قادراً على تقديم إضافة أو مواجهة أخطاء الماضي، الأفضل أن يفسح المجال لغيره، لأن المرحلة أخطر من أن تتحمل تكرار نفس التجربة.
خلاصة القول: إن المؤتمر الثامن ليس حدثاً شكلياً، بل هو محطة فارقة في تاريخ القضية الفلسطينية ومسار حركة فتح. إما أن يكون مؤتمر تصحيح حقيقي يعيد للحركة هيبتها وكرامتها التي أُهدرت، ويعيد قواعد الأساس لبناء الدولة المستقلة المترابطة كاملة السيادة وعاصمتها القدس، وإما أن يكون شهادة وفاة أخرى على أي أمل بالتغيير. عاشت فتح، وعاش نضال شعبنا الصادق حتى التحرير والعودة، وإنها لثورة حتى النصر.
