فتح أمام استحقاق التجديد: نحو خطاب سياسي واقعي وبنية تنظيمية معاصرة

 ​بقلم: موسى الصفدي

​مع اقتراب انعقاد المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" في الرابع عشر من أيار/مايو 2026، تطلُّ الأسئلة الكبرى برأسها من جديد، كضرورة وجودية تمس جوهر الدور التاريخي للحركة كقائدة للمشروع الوطني، وحاملة لراية النضال من أجل الحرية والاستقلال. ​إن اللحظة الراهنة، بما تعجُّ به من تحولات إقليمية ودولية متسارعة، تضع "فتح" أمام اختبار المصير: هل تمتلك الحركة القدرة على إعادة تعريف ذاتها سياسياً وتنظيمياً بما ينسجم مع تعقيدات المرحلة؟ أم ستظل رهينة أدوات وخطابات استنفدت أغراضها ولم تعد قادرة على تفسير الواقع أو التأثير في مساراته؟ ​أولاً: من الثورة إلى الدولة.. ضرورة المراجعة البنيوية ​منذ انطلاقتها، نجحت "فتح" في صياغة هوية سياسية جامعة، نقلت القضية الفلسطينية من دهاليز التغييب والشتات إلى مركز الفعل الدولي. بيد أن الانتقال من "منطق الثورة" إلى "منطق الدولة" – خاصة بعد قيام السلطة الوطنية – أفرز تحديات بنيوية لم يتم استيعابها بالقدر الكافي. ​لقد أثبتت التجربة أن الأدوات التنظيمية المصممة لإدارة حركة تحرر في المنافي، لم تعد تتلاءم مع متطلبات إدارة مشروع وطني يبني مؤسساته تحت نير الاحتلال. لذا، فإن تحديث النظام الداخلي ليس مجرد إجراء فني، بل هو ضرورة لإعادة ضبط العلاقة بين الأطر التنظيمية، وتعزيز الشفافية، وتكريس المساءلة؛ بما يضمن تلاحم "الشرعية النضالية" مع "الشرعية الديمقراطية". ​ثانياً: الخطاب السياسي.. موازنة الممكن والمأمول ​يتمثل التحدي الأكبر الذي يواجه الحركة في الفجوة المتسعة بين الشعارات السياسية المرفوعة والواقع المعقد الذي يعيشه المواطن. فبينما يرتكز الخطاب الرسمي غالباً على ثوابت تقليدية، تتطلب المتغيرات الميدانية وموازين القوى الدولية لغةً أكثر مرونة وواقعية. ​إن الواقعية السياسية لا تعني التفريط بالثوابت، بل هي الوسيلة الأمثل لحمايتها عبر صياغة برنامج عملي يوازن بين "الحقوق التاريخية" و"القدرة الفعلية" على تحقيق إنجازات ملموسة. إن التحول من الخطاب التعبوي العاطفي إلى الخطاب العقلاني هو الجسر الوحيد لاستعادة الثقة الجماهيرية وتعزيز الحضور السياسي للحركة. ​ثالثاً: مأسسة الصمود.. ربط المشروع الوطني بالهمّ الاجتماعي ​أفرزت السنوات الأخيرة تحولات اجتماعية عميقة؛ حيث تصدرت قضايا العمل والتعليم والصحة سلم اهتمامات المواطن الفلسطيني. هنا، تبرز الحاجة الملحّة لربط المشروع التحرري بالواقع المعيشي بشكل عضوي، فلا يمكن فصل النضال من أجل الدولة عن الحق في حياة كريمة. ​إن "فتح"، بوصفها العمود الفقري للسلطة الوطنية، مطالبة بإعادة تعريف دورها كحركة مسؤولة عن إدارة الشأن العام. وهذا يقتضي تطوير برنامج اقتصادي-اجتماعي يعزز "صمود الإنسان" فوق أرضه، ويحول الانتماء التنظيمي إلى فعلٍ بناءٍ يلمسه المواطن في تفاصيل حياته اليومية. ​رابعاً: استراتيجية بديلة عن الأوهام ​أخطر ما يهدد الحركات السياسية في منعطفات التاريخ هو الارتهان للأوهام؛ سواء كانت أوهام القوة المفرطة، أو الرهانات المطلقة على متغيرات خارجية لا نملك أدوات التحكم بها. ​لقد علمتنا التجربة الفلسطينية أن الرهان الرابح هو "الذات الوطنية" القادرة على التكيف دون الانكسار. لذا، فإن المؤتمر الثامن مدعوٌّ لتبني رؤية استراتيجية تقرأ موازين القوى بدقة، وتستبدل "التمنيات" بـ "أهداف مرحلية" قابلة للتحقيق، بعيداً عن الشعارات التي تفتقر لمقومات التنفيذ. ​خامساً: المؤتمر الثامن.. التأسيس لنهضة جديدة ​يبقى التساؤل الجوهري قائماً: هل سيكون المؤتمر الثامن لحظة تأسيسية تعيد إطلاق "فتح" بروح متجددة، أم سيتحول إلى محطة بروتوكولية تعيد إنتاج القائم؟ ​إن الإجابة لا تكمن في صياغة البيانات الختامية فحسب، بل في توفر الإرادة السياسية الصادقة لتطبيق القرارات، وشجاعة القيادة في تحمل كلفة التغيير والإصلاح، مهما بلغت التحديات. ​ روح الانطلاقة بأدوات العصر ​إن "فتح" التي قادت الشعب الفلسطيني في أحلك الظروف، قادرة اليوم على تجديد شبابها. المطلوب ليس القطيعة مع الماضي المجيد، بل البناء عليه وتطوير أدواته. إن المؤتمر الثامن فرصة تاريخية لإعادة صياغة المشروع الوطني على أسس فاعلة، تضع الإنسان الفلسطيني في صلب اهتمامها، وتعيد للحركة دورها كحاضنة للأمل. ​في نهاية المطاف، فإن عافية "فتح" هي من عافية القضية، وكل جهد يُبذل في سبيل تجديد الحركة، هو استثمار مباشر في مستقبل شعبنا نحو الحرية والاستقلال.

البوابة 24