بقلم: عائد زقوت
لم يكن تكليف علي فالح الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية حدثًا عابرًا، ولا نتاج اختيار فردي، بل تعبيرًا دقيقًا عن منطق النظام السياسي العراقي بعد 2003. ففي بنية تقوم على المحاصصة الطائفية–الإثنية، لا يُنتج القادة بقدر ما تُفرز شخصيات وظيفية. وتخضع هذه العملية لمعادلة مزدوجة: مقبولة داخليًا بالحد الأدنى لتمرير الكتلة الأكبر، وغير مرفوضة خارجيًا بما يضمن استمرار التوازن الدولي. يأتي الزيدي برصيده الاقتصادي والقانوني وخبرته السياسية المحدودة كحصيلة شبه حتمية لهذه المعادلة. فبعد استبعاد شخصيات ذات ثقل سياسي بفعل اعتراضات أميركية ودولية، اتجه الإطار التنسيقي إلى خيار أقل صدامية وأكثر قابلية للتكيّف.
وهنا، ينزاح دور رئيس الوزراء من موقع القيادة إلى وظيفة إدارة الأزمة؛ لا بوصفه صانع دولة، بل كحارس مؤقت لتوازنات دقيقة. غير أنّ المعضلة الأعمق ليست في الشخص، بل في البنية. فالمواطنة، باعتبارها رابطة قانونية وسياسية جامعة تهدف إلى ربط الفرد بالدولة على أساس الحقوق والواجبات المتساوية، لم تتبلور كإطار ناظم للعلاقة بين المواطن والدولة، بل تراجعت أمام منظومات ولاء أكثر رسوخًا: مذهبية، حزبية، ميليشياوية، وعشائرية. وهذه الولاءات المتضاربة لا تعمل كعوامل هامشية، بل كمرتكز فعلي للنظام السياسي وإعادة إنتاج السلطة.
وعندما تتقدّم هذه الانتماءات على رابطة المواطنة، تتحول الدولة من كيان جامع إلى ساحة تنازع مفتوح، وتغدو المؤسسات أدوات لتوزيع النفوذ لا لبناء قرار سيادي. هنا يتبدّى الخلل البنيوي: نظام لا يواجه الاختلال بل يديره، ويخشى كسر توازناته أكثر مما يسعى إلى إصلاحها. ضمن هذا المنطق، لا يُعد غياب القيادة الحاسمة خللًا طارئًا، بل نتيجة طبيعية. فالنظام يُفضّل شخصيات مرنة قادرة على المناورة والتسوية، على حساب إنتاج قيادة قادرة على إعادة تعريف قواعد اللعبة. وهكذا يصبح: "التوافق" بديلًا عن القرار، و"إدارة الأزمة" بديلًا عن بناء الدولة. غير أنّ استمرار هذا النمط يحمل مخاطر تراكمية. فإعادة إنتاج التوازنات نفسها تُضعف شرعية الدولة تدريجيًا، خاصة لدى جيل يرفض منطق المحاصصة، وتزيد من قابلية الانفجار الاجتماعي كما شهدت احتجاجات تشرين 2019. كما تُبقي العراق مفتوحًا أمام التأثيرات الخارجية، وعاجزًا عن معالجة أزماته البنيوية: من البطالة وتردي الخدمات، إلى شح المياه والتحديات المناخية.
ومع أي صدمة كبرى مثل انخفاض حاد في أسعار النفط أو تصعيد إقليمي قد تنزلق الفوضى المُدارة إلى فوضى منفلتة. في هذا السياق، يقف الزيدي داخل مفارقة حادة: يُكلّف بتشكيل حكومة في دولة يفترض أنها مركزية، فيما تتوزع السلطة الفعلية خارج مؤسساتها—بين قوى سياسية، وفصائل مسلحة، وتوازنات إقليمية. وعليه، فإنّ أي محاولة جادة لتعزيز المواطنة ستُقرأ كتهديد لهذه البنية، ما يدفع إلى احتوائها أو إجهاضها مبكرًا. خلاصة الأمر، لا يمثل تكليف الزيدي نقطة تحوّل، بل إعادة تدوير لنمط الاستقرار عبر الفوضى: دولة لا تنهار بفعل مواردها وتوازناتها الخارجية، لكنها لا تُبنى لأنها محكومة ببنية تمنع الحسم وتُبقيها في توازن هش ومعطوب.
العراق، بهذا المعنى، ليس استثناءً بل نموذجًا وظيفيًا لاستراتيجية أوسع في إدارة الشرق الأوسط: ضبط الفوضى بدل إنهائها، وإبقاء الدول في حالة لا حرب ولا سلام، بما يحول دون تشكّل سيادة مكتملة أو قرار وطني مستقل. إنها معادلة تُنتج استقرارًا هشًا يكفي لمنع الانهيار، لكنه لا يسمح بالنهوض. ولا يقتصر هذا النمط على العراق وحده، بل يتجاوز حدوده ليطال ساحات أخرى. ومن هذه الزاوية، لا يبدو ما يُطرح في غزة بعيدًا عن هذا المنطق، بل امتدادًا له: إدارة للصراع عبر إبقائه مفتوحًا ومجزّأً، واستنزافه زمنيًا بدل حسمه سياسيًا. الفوضى هنا ليست عرضًا جانبيًا، بل أداة. وإذا كان العراق قد مثّل خلال العقدين الماضيين مختبرًا عمليًا لهذا النمط، فإنّ تعميمه على ساحات أخرى لا يعني سوى إعادة إنتاج الحلقة ذاتها بأدوات مختلفة. لذلك، ما دام هذا النموذج قائمًا، سيظل العراق عالقًا في حلقة مفرغة، وستبقى شخصيات مثل الزيدي—مهما حسنت نواياها—مجرد واجهات لإدارة التوازن، لا لتغييره.
