بين استمرار التوترات في الجنوب اللبناني وتراجع نسبي في وتيرة الغارات خارج نطاقه منذ 17 نيسان/أبريل، يعيش لبنان مرحلة هدوء هشّ لا يمكن وصفه بنهاية فعلية للحرب، بل بوقف مؤقت لإطلاق النار ما زال محكومًا بالتجاذبات الميدانية والسياسية.
وجاء هذا التراجع النسبي بعد مباحثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في 14 نيسان، هي الأولى منذ عقود برعاية أميركية، أفضت إلى هدنة مؤقتة بدأت في 17 نيسان لمدة 10 أيام، قبل أن تُمدَّد حتى 17 أيار عقب جولة تفاوض ثانية في 23 نيسان.
ورغم هذا المسار التفاوضي، بقي الجنوب اللبناني خارج منطق التهدئة الفعلية، مع استمرار القصف المدفعي والغارات الجوية وتدمير قرى وبنى تحتية ضمن ما بات يُعرف بـ"المنطقة الصفراء" التي توسعت في العمق اللبناني.
في المقابل، صعّد حزب الله عملياته جنوبًا، مستخدمًا تقنيات جديدة في القتال، أبرزها المسيّرات، ما أدى إلى استنزاف ميداني متبادل أبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة.
اليوم التالي.. رهينة نتيجة الحرب
يرى الصحافي يوسف دياب أن مستقبل لبنان بعد الحرب لن يتحدد فقط بوقفها، بل بنتيجتها النهائية: هل تنتهي بتسوية سياسية أم بمنطق غالب ومغلوب.
في حال التوصل إلى اتفاق بضمانات دولية وعربية وأميركية، قد يفتح ذلك الباب أمام مرحلة تهدئة سياسية داخلية، تشمل ملفات شديدة الحساسية مثل إعادة الإعمار، وترسيم الحدود، ومعالجة ملف الأسرى.
هذا السيناريو، وفق دياب، يمكن أن يخفف من حدة الانقسام الداخلي ويمنح لبنان فرصة لالتقاط أنفاسه سياسيًا، ولو بشكل تدريجي.
أما في حال انتهت الحرب بنتيجة غير متوازنة لصالح إسرائيل، فإن البلاد—بحسب قراءته—قد تدخل مرحلة فراغ سياسي ممتد، تترافق مع تصاعد التوترات الداخلية، وتفاقم الانقسام بين القوى اللبنانية، إلى جانب تدهور إضافي في الوضع الاقتصادي.
ويحذّر من أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام أزمة أعمق من الحرب نفسها، حيث تتداخل تداعيات الميدان مع هشاشة النظام السياسي والاقتصادي.
اقتصاد منهك وإعمار بلا تمويل
على المستوى الاقتصادي، تبدو التحديات أكثر تعقيدًا من المشهد السياسي، في بلد يواجه أصلًا أزمة مالية عميقة قبل الحرب.
يشير الصحافي الاقتصادي منير يونس إلى أن ملف النزوح سيكون من أبرز التحديات المباشرة، مع تدمير واسع في قرى الجنوب، ما يجعل عودة السكان غير ممكنة في المدى القريب.
هذا الواقع سيضاعف الضغط على الخدمات والبنية الاجتماعية، في ظل توقعات تشير إلى ارتفاع معدلات الفقر إلى نحو 50% من السكان، ما يعني دخول شرائح واسعة في دائرة العوز المباشر.
كما حذّرت مؤسسات دولية من أن نحو مليون شخص في لبنان قد يواجهون انعدام أمن غذائي خلال الفترة المقبلة، نتيجة استمرار آثار الحرب والنزوح.
إعادة الإعمار.. فاتورة بمليارات مفقودة
الاستحقاق الثاني والأكثر كلفة يتمثل في إعادة الإعمار، حيث تشير التقديرات إلى أن إعادة بناء المساكن فقط قد تتجاوز 10 مليارات دولار، من دون احتساب البنية التحتية المدمرة.
ويرى يونس أن هذه الكلفة تأتي في وقت يعاني فيه لبنان من انهيار مالي شبه كامل، وغياب أي مصادر تمويل واضحة، ما يجعل ملف الإعمار مرتبطًا بشكل مباشر بالحل السياسي والدعم الخارجي.
إصلاحات مؤجلة وعودة مشروطة إلى الأسواق
أما الاستحقاق الثالث، فيرتبط بالإصلاحات الهيكلية المطلوبة دوليًا، خصوصًا تلك المرتبطة باتفاق محتمل مع صندوق النقد الدولي.
وتشمل هذه الإصلاحات قطاعات أساسية مثل الكهرباء، الإدارة العامة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وهي شروط تعتبرها الجهات المانحة بوابة أساسية لأي دعم مالي أو عودة إلى الأسواق الدولية.
خلاصة المشهد
في المحصلة، لا يبدو أن "اليوم التالي" في لبنان سيكون مجرد نهاية لحرب، بل بداية مرحلة اختبار وجودي شامل.
فبين تسوية محتملة تفتح باب التعافي، أو حرب بنتائج غير محسومة تعمّق الانقسام، يقف لبنان أمام مفترق حاسم:
هل يخرج من الحرب دولة قابلة للنهوض، أم يدخل في دورة أزمات طويلة الأمد؟
