من داخل الممكن لا من خارجه: فتح بين فائض الكلام وامتحان القدرة
بقلم: محمد قاروط أبو رحمة
في لحظة يفيض فيها الكلام عن حركة فتح ومؤتمرها الثامن، وتتعالى فيها الدعوات إلى التغيير وإعادة البناء وإعادة التعريف، يبرز سؤال أبسط وأكثر صعوبة في آن واحد:
كم من هذا الكلام يمكن أن يتحول إلى فعل؟
ليست المشكلة في نقص الأفكار، بل في الفجوة المتسعة بين ما يُقال وما يمكن إنجازه في واقع شديد التعقيد، تحكمه قيود داخلية وضغوط خارجية لا يمكن القفز فوقها بالشعارات.
وفي ظل هذا "الفائض من الكلام"، يصبح التحدي الحقيقي ليس في إنتاج خطاب جديد، بل في اختبار القدرة: قدرة الحركة على تحويل الممكن إلى فعل، وقدرة من يكتب ويتحدث على أن يكون جزءًا من هذا الفعل، لا مجرد شاهد عليه.
من داخل الممكن تبدأ الكتابة
حين أكتب عن مؤتمر حركة فتح الثامن، لا أكتب من موقع المنظّر، ولا من موقع المتفرّج، ولا من مقعد مريح خلف شاشة أو على طاولة مقهى.
أكتب من داخل الحركة، من داخل ما هو ممكن فيها.
أكتب عمّا يمكن القيام به، لا عمّا يُفترض أن يكون.
وأكتب من موقع القدرة على تثقيف أبناء الحركة وتعبئتهم وتدريبهم على ما أقول، لا من موقع إطلاق الأحكام أو توزيع الوصفات.
تجربة تُحدّد المعنى
ثلاثة وخمسون عامًا في صفوف حركة فتح، دون انقطاع، لم تكن مجرد زمن، بل تجربة تعلّمت فيها أن العمل السياسي ليس قولًا، بل قدرة.
تعلّمت أن: نعمل ضمن الممكن، نستخرج الفعل من التناقضات، نحوّل العقبات إلى فرص
وأن نكتب ونحوّل ما نكتبه إلى فعل، في بيئة ضاغطة على كل الأصعدة، تختبر صدقية كل كلمة تُقال.
درس الجيل المؤسس
تعلّمت من ياسر عرفات ومن خليل الوزير درسًا لا يزال يحكم تفكيري:
الكلمة التي لا أستطيع تحويلها أنا شخصيًا إلى فعل، لا ينبغي أن أقولها.
بل أكثر من ذلك: حتى الكلمة الصحيحة، القوية، والمبهرة، إذا لم تكن قادرًا على تحويلها إلى فعل، احتفظ بها، إلى أن يأتي الوقت والبيئة التي تسمح لك بأن تجعلها فعلًا لا مجرد قول.
وهذا المعنى ليس فقط خلاصة تجربة، بل هو أيضًا قيمة أخلاقية عميقة عبّر عنها القرآن الكريم بقوله:
"أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)" سورة الصف
فتح والمشروع الوطني
هذه الحركة ليست تنظيمًا عابرًا، بل هي قائدة المشروع الوطني التحرري الفلسطيني، التي انطلقت على قاعدة قسم الإخلاص لفلسطين، وفي مواجهة مباشرة مع المشروع الصهيوني.
ومن غرائب فائض الكلام اليوم، أن يُفتح باب تقييم حركة فتح على اتساعه، دون أن يُطرح في المقابل سؤال موازٍ:
ماذا عن تقييم أهداف المشروع الصهيوني ومساره؟
فالمسألة لا تُقاس فقط بما لم يتحقق، بل أيضًا بما تم منعه.
بين المعرفة والقدرة
لا يكفي أن تعرف أماكن الوحوش الضارية المفترسة، وأن تدرك أنها تغلق الطرق أثناء المسير، ثم تقول لغيرك: واجهها واستمر.
المعرفة وحدها لا تصنع فعلًا.
السؤال الحقيقي هو: هل إمكانياتي وبيئتي قادرتان على المواجهة والاستمرار؟
هنا يُختبر معنى القدرة.
وقدرة حركة فتح ليست قدرة صادمة، بل تشبه نهرًا جاريًا يسير بهدوء نحو مصبّه.
لا يفتّت كل الصخور، لكنه يستمر، يلتف، ويتجاوز، حتى يصل.
بين فائض الكلام وغياب الفعل
المشكلة اليوم ليست في قلة الكلام، بل في فائضه.كثيرون يكتبون عن: التغيير
إعادة البناء، إعادة التعريف، لكن السؤال البسيط الذي يجب أن يُطرح:
هل يستطيعون تحويل ما يقولونه إلى فعل؟ وهل أوضح أصحاب فائض الكلام تكلفة كلامهم؟ هل يدركون: كلفة رفع السقف دون قدرة؟ كلفة خلق توقعات لا يمكن تحقيقها؟
كلفة الإحباط الذي يتركه هذا الكلام في الوعي الجمعي؟هل ينخرطون كجنود؟
هل يعملون داخل الحركة؟ أم يكتفون بالكتابة من خلف الشاشات؟
المؤتمر كاختبار
في نقاشات مؤتمر حركة فتح الثامن، تكثر الطروحات.لكن السؤال ليس:
ماذا نقول؟ بل: ماذا نستطيع أن نفعل؟ لأن الحركة لا تُبنى بالنوايا، بل بالفعل.
من داخل الممكن يبدأ التغيير لهذا، أكتب من داخل الممكن:
ما يمكن تدريسه، ما يمكن تدريبه، ما يمكن تنفيذه، لا أبحث عن الكمال، بل عن:
الفعل القابل للتحقق، لأن هذا وحده ما يصنع التراكم.
خاتمة: خصوصية الصراع ومعيار الفعل
الصراع بين المشروع الصهيوني والمشروع الوطني الفلسطيني صراع له خصوصيته، لا يشبه غيره، ولا يمكن فهمه بالقياس على تجارب الآخرين.
لهذا، فإن التفكير فيه يجب أن يكون من داخله، لا من خارجه.
وفي النهاية، يبقى المعيار بسيطًا وصعبًا: هل ما نقوله نابع من فهم هذه الخصوصية؟
وهل نستطيع تحويله إلى فعل داخلها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فهذا طريق يمكن السير فيه.
أما إذا كانت لا، فالأجدى أن نُقلّ الكلام، ونزيد الفعل.
