تشهد المالية العامة في فلسطين واحدة من أعقد أزماتها، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية واحتجاز الإيرادات، ما دفع الحكومة إلى اعتماد موازنة طوارئ لعام 2026 تقوم بالكامل على السيولة المتاحة، وسط تحديات غير مسبوقة في صرف الرواتب وتأمين النفقات الأساسية.
موازنة طوارئ وفجوة مالية ضخمة
كشف الخبير المالي مؤيد عفانة أن الموازنة العامة لعام 2026 تُدار كـ"موازنة طوارئ"، تعتمد على التدفقات النقدية اليومية، في ظل فجوة مالية حادة تُقدّر بنحو 11.8 مليار شيكل.
وأوضح أن هذه الأزمة تعود بشكل رئيسي إلى استمرار السياسات الإسرائيلية التي حدّت من قدرة السلطة الفلسطينية على الوصول إلى مواردها، وعلى رأسها إيرادات المقاصة.
احتجاز أموال المقاصة وتصعيد الضغوط الاقتصادية
أشار عفانة إلى أن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش صعّد من أدوات الضغط الاقتصادي، عبر وقف تحويل أموال المقاصة منذ 13 شهراً، وتحديداً منذ مايو 2025، ما أدى إلى خنق مالي غير مسبوق.
أبعاد سياسية: اقتصاد تحت ضغط الانتخابات
ربط عفانة الإجراءات الإسرائيلية بسياقين رئيسيين:
سياق داخلي إسرائيلي: تصاعد التنافس الانتخابي بعد التمهيد لحل الكنيست، ومحاولة كسب الأصوات عبر تشديد الإجراءات على الفلسطينيين.
سياق ميداني: تسريع مخططات فرض واقع جديد على الأرض، عبر تقطيع أوصال الضفة الغربية وتقييد الحركة، إلى جانب منع العمال من الوصول إلى الداخل.
وتوقع استمرار هذا النهج حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، مع احتمال فرض مزيد من القيود الاقتصادية.
تراجع الإيرادات وأزمة الدعم الخارجي
أكد عفانة أن السلطة الفلسطينية فقدت نحو 68% من إيراداتها، بالتزامن مع تراجع كبير في الدعم الدولي، ما جعل الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات المحلية.
وأشار إلى أن الحكومة كانت تستهدف توفير 200 مليون دولار شهرياً كصندوق طوارئ، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق، ما زاد من تعقيد المشهد المالي.
معادلة الرواتب: 50% خيار اضطراري
فيما يتعلق بصرف الرواتب، أوضح عفانة أن اعتماد نسبة 50% من الراتب بدلاً من مبلغ ثابت يُعد الخيار الأكثر واقعية في ظل الأزمة.
وبيّن أن:
- اعتماد حد أدنى 2000 شيكل مع نسبة 50% يكلف الخزينة أكثر من 650 مليون شيكل.
- رفع النسبة إلى 60% يرفع التكلفة إلى نحو 720 مليون شيكل.
- وشدد على أن أي تعديل في آلية الصرف سيؤدي إلى تفاوت في الرضا بين الفئات الوظيفية، ما يجعل القرار شديد الحساسية.
دعم أوروبي محدود وتأثيره المتوقع
لفت عفانة إلى وجود دعم مبرمج من الاتحاد الأوروبي لعام 2026 بقيمة 210 ملايين يورو، مرجحاً صرفه بعد يونيو المقبل.
وأكد أن هذا الدعم لن ينهي الأزمة، لكنه قد يمنح الحكومة هامشاً محدوداً لإدارة النفقات.
محفظة "يبوس": تقاص رقمي لتخفيف الأعباء
تستعد الحكومة لإطلاق المحفظة الإلكترونية الحكومية "يبوس" بشكل تجريبي خلال الشهر المقبل، كأحد الحلول الجزئية للتخفيف عن الموظفين.
وأوضح عفانة أن:
- المحفظة لا تُخصم من الراتب النقدي.
- تقوم على نظام تقاص رقمي بين الحكومة والهيئات المحلية وشركات الخدمات.
- قد تُخفف الأعباء الشهرية عن الموظف بما يقارب 500 شيكل.
وتأتي هذه الخطوة في ظل أزمة سيولة حادة ونقص في النقد، خاصة مع عدم انتظام صرف الرواتب الكاملة منذ نهاية عام 2021.
توقعات المرحلة المقبلة
رجّح عفانة استمرار الأزمة المالية دون انفراج قريب، في ظل غياب حلول سياسية واقتصادية جذرية، واستمرار القيود المفروضة على الموارد الفلسطينية، ما يبقي المشهد المالي مرهوناً بالتطورات الإقليمية والدولية.
