هل تشهد رواتب الموظفين انفراجة في النصف الثاني من العام؟

رواتب الموظفين
رواتب الموظفين

يواجه موظفو القطاع العام في فلسطين أزمة مالية غير مسبوقة جراء صرف رواتبهم بنسب منخفضة؛ نتيجة لاحتجاز "إسرائيل" أموال المقاصة—التي تمثل 68% من إيرادات الخزينة العامة—لأكثر من عام. ويأتي هذا الحجز الكامل بعد فترة اقتطاعات بدأت منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث كانت تحول خلالها 30-35% فقط من تلك الأموال بذريعة اقتطاع مخصصات قطاع غزة.

أزمة مركبة تعمقت بعد7 أكتوبر

يجمع المحللون على أن أزمة السلطة الفلسطينية المالية هي أزمة بنيوية متدحرجة، عمقتها تداعيات السابع من أكتوبر لكنها لم تنشأ عنها. وتتلخص أسبابها في ثلاثة مسارات رئيسية: تضخم النفقات التشغيلية (تجاوز فاتورة الرواتب مليار شيكل شهرياً)، وتراجع المساعدات الدولية (التي كانت ترفد الموازنة بنحو 20%)، علاوة على كوابح الاحتلال والانقسام الفلسطيني التي منعت السلطة من تعظيم وتوسيع قاعدتها الجبائية والضريبية.

الأزمة المالية ليست وليدة عام مضى، بل هي واقعة منذ تشرين الثاني 2021، أي مر نحو خمس سنوات ولم تتقاض نسبة لا بأس بها من موظفي القطاع العام رواتب كاملة، في ظل صرف نسب غير كاملة، لكن بكل تأكيد فإن تداعيات الحرب على قطاع غزة والضفة الغربية بعد السابع من أكتوبر 2023 كان لها أثر كبير في تعميق الأزمة واستفحالها. يقول أيهم أبو غوش الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي "صحيح أن الازمة المالية التي تمر السلطة الوطنية ليست وليدة السابع من أكتوبر، فهي تعاني من أزمة منذ عدة سنوات وأسبابها مختلفة بعضها موضوعي وأخرى ذاتية، وبعضها مرتبط بتراجع الايرادات خاصة المساعدات الدولية، وأخرى مرتبطة بتضخم النفقات، لكن لا يمكن المقارنة مع الأزمة المالية الحالية وحال السلطة الفلسطينية قبل السابع من أكتوبر 2023، مشيراً إلى أن الأزمة التي مرت بها السلطة الفلسطينية قبل الحرب الحالية كان يمكن السيطرة عليها من خلال البحث عن وسائل لتعظيم الإيردات او تخفيض النفقات او كلاهما معا، اما الآن فنحن نتحدث عن أزمة وجودية بكل ما تحمله الكلمة من معنى في ظل إجراءات إسرائيلية تحرم السلطة الفلسطينية من ثلثي ايراداتها.

من أزمة مسيطر عليها إلى وجودية

ويضيف أبوغوش"الأزمة خلال السنوات السابقة كان مسيطر عليها، إذ كانت المقاصة تتدفق وإن فرض الاحتلال اقتطاعات مقابل مخصصات الأسرى والأسرى المحررين وعوائل الشهداء والجرحى، لكن الخدمات الأساسية كانت مستمرة، والرواتب كانت تصرف بنسب معقولة تتراوح بين 80-90%، أما الآن فالأزمة تضرب عمق الخدمات الأساسية خاصة في قطاع الصحة والتعليم، والحكومة تجد صعوبات جمة في توفير دفعة من الراتب لا تصل أحيانا إلى 50% وبعد مرور 40 يوماً أو أكثر".

ويشير إلى النصف الأول من هذا العام كان الأقسى على الإطلاق منذ بدء الأزمة المالية للسطة الفلسطينية، خاصة انها أتت في فترة حجب فيها الاحتلال أموال المقاصة بشكل كامل، بالإضافة إلى شح تدفق المساعدات، وكذلك استنفاد معظم الأدوات المحلية للاستدانة، متوقعاً أن تكون الفترة المقبلة أفضل من الناحية المالية مع وجود منحتنين من الاتحاد الأوروبي بقيمة 210 ملايين يورو ومن البنك الدولي بقيمة 300 مليون دولار.

ويضيف" لكن وجود تلك المساعدات الخارجية ومحاولة تأمين غيرها لا يعني تحولاً جذرياً في نسب صرف الرواتب، بل يعني انتظاماً أفضل للصرف، بمعنى قد تساعد الحكومة في تأمين تدفقات نقدية لصرف نصف راتب خلال فترة شهر بدلاً من 40 يوماً، لكن رفع نسبة الصرف في هذه الفترة دون الافراج عن أموال المقاصة أمر يبدو شبه مستبعد".

ثلاثة سيناريوهات أحدها أكثر واقعية

 بدوره، يؤكد مؤيد عفانة الخبير في المالية العامة أن هناك ثلاثة سيناريوهات تتعلق بالنصف الثاني من هذا العام، مشيراً إلى أن الحكومة أعلنت مسبقاً عن أن موازنة العام 2026، هي موازنة طوارئ، تقوم على التدفقات النقدية الممكنة، ولذلك فإنها ستحدد نسبة الصرف كل شهر بشهر، دون وجود أفق كبير لرفع نسب الصرف، تبعاً لقراءة موضوعية للظروف القائمة.

ويشير عفانة إلى أن السيناريوهات الثلاث مرهونة بشكل أساسي بمدى التطورات بشأن أموال المقاصة المحتجزة، وبمدى توفير مساعدات إضافية، لكن من حيث الواقعية فإن سيناريو يبدو الأكثر واقعية وترجيحاً خلال الفترة المقبلة.

أما السيناريوهات الثلاث في النصف الثاني من العام، الأول يتعلق بالإفراج الكامل عن اموال المقاصة المحتجزة والبالغة أكثر من 15مليار شيقل، بالإضافة إلى عودة تدفق المقاصة شهرياً، وساعتئذ يمكن الحديث عن انفراج كبير يتعلق بإمكانية صرف رواتب كاملة وجزء من مستحقات الموظفين. أما السيناريو الثاني فهو الإفراج جزئياً عن أموال المقاصة، او إعادة الوضع كما كان قبل شهر أيار 2025 وساعتئذ يمكن أن تشهد نسبة الصرف تحسناً يتناسب مع الأموال المفرج عنها، وعودة الحكومة للصرف 70% بحد أدنى 3500 شيقل، كما تم على مدار 13 شهراً من فترة استلام الحكومة الـ19، أو دفع جزء يسير من مستحقات الموظفين، أما السيناريو الثالث الأكثر واقية وترجيحاً حتى نهاية العام الحالي، تبعاً لقراءة المؤشرات الموضوعية، فهو استمرار الجانب الاسرائيلي في احتجاز كافة إيرادات المقاصة مع اعتماد السلطة الفلسطينية على الايرادات المحلية والمساعدات الخارجية، ومحاولات تعزيزها عبر الصندوق الطارئ لدعم الموازنة العامة، وهذا السيناريو لن يوفر بأفضل الأحوال صرف نسب تزيد عن 50% حتى نهاية العام الحالي.

ويضيف عفانة أن "المنطق يقول بأن الاحتلال اسرائيلي يعمل على تصفير أموال المقاصة من خلال رفع دعاوى تعويض ضد السلطة الفلسطينية، وهذه حكومة يمينية متطرفة تعلن ليلياً نهاراً بأنها ترفض الكيان الفلسطيني والدولة الفلسطينية، وتستخدم الحنق الاقتصادي كأداة استراتيجية لتقويض الكيانية الفلسطينية، واسرائيل على أبواب انتخابات عامة، لذلك يبدو أن الإفراج عن أموال المقاصة قبل الانتخابات الاسرائيلية بعيد المنال، إن لم يكن مستحيلا".

ويوضح عفانة أن السلطة الفلسطينية تجد صعوبات كبيرة في تأمين حتى نصف راتب دون أموال المقاصة، فهي تعتمد على الايرادات المحلية، بالإضافة إلى تسويات مع شركات خدمية وهيئات محلية، وكذلك على ما يتوفر من مساعدات خارجية، وجملة إجراءات فنية مهمة تقوم بها وزارة المالية لتعزيز الإيرادات وترشيد النفقات، وتعزيز الحوكمة في إدارة المال  العام ولكن أثر تلك الإجراءات، (على أهميتها) يبقى محدوداً في ظل احتجاز كافة إيرادات المقاصة.

ترجيات بعدم عودة للدفعات المقطوعة 

مصدر مسؤول أكد أن التوجه العام في الحكومة هو عدم صرف رواتب أقل من 50% وحد ادنى ألفي شيقل، مع عدم رغبة في العودة لدفع مبالغ مقطوعة مثل الفي شيقل لكافة الموظفين، إذ أن هذا الموضوع أثار موجة غضب عارمة لدى فئات وظيفية مختلفة، ولهذا فإن المرجح هو الإبقاء على آلية صرف ثابتة وهي 50% وحد ادنى ألفي شيقل حتى نهاية العام في حال عدم الإفراج عن اموال المقاصة، مضيفا "في حالة عدم توفير الأموال اللازمة لتأمين الدفعة يمكن خفض النسبة قليلاً في أسوأ الظروف مثل أن تكون 40% أو 45%  لكن لن يتم العودة غالباً إلى دفعة موحدة لكل الفئات الوظيفية".

يذكر أن حجم الدين العام والالتزامات على السلطة الفلسطينية تجاوز حتى شباط الماضي نحو 48 مليار شيقل منها حوالي(8)  مليار شيقل مستحقات متأخرة للموظفين.

قد نشهد تحسنا لكن لا تحول جذرياً على الأزمة

يقول الخبير الاقتصادي د. سعيد صبري إن المنحة الأوروبية البالغة 210 ملايين يورو والتمويل المتوقع من البنك الدولي بقيمة 300 مليون دولار يمثلان دعماً مالياً مهماً للسلطة الفلسطينية خلال النصف الثاني من العام، إلا أن تأثيرهما يجب أن يُقرأ ضمن السياق المالي العام الذي تمر به المالية العامة الفلسطينية.

ويضيف"خلال الفترة الماضية واجهت الحكومة ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة استمرار الاقتطاعات من أموال المقاصة، وتراجع مستويات الدعم الخارجي مقارنة بالسنوات السابقة، إلى جانب ارتفاع الالتزامات المالية المتراكمة والاعتماد على التسهيلات المصرفية للحفاظ على استمرارية الخدمات العامة.

وبالتالي فإن جزءاً من أي تمويل جديد سيُستخدم لتغطية التزامات قائمة وتعزيز الاستقرار المالي، وليس فقط لزيادة الإنفاق الجاري.

ويعتقد صبري أنه في ظل هذا السيناريو المحافظ، من المتوقع أن تساهم هذه التدفقات المالية في تحسين مستوى السيولة المتاحة للحكومة وتوفير هامش أكبر لإدارة التزاماتها خلال الأشهر القادمة، بما في ذلك الرواتب والنفقات التشغيلية الأساسية. كما قد تساعد في تقليل الضغوط على القطاع المصرفي وتعزيز الثقة النسبية في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها قصيرة الأجل.

في المقابل، لا يتوقع د. صبري أن تؤدي هذه المنح وحدها إلى تغيير جذري في الواقع المالي أو إنهاء التحديات القائمة، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بأموال المقاصة والأوضاع الاقتصادية العامة. لذلك يمكن القول إن النصف الثاني من العام قد يشهد استقراراً وتحسناً محدوداً مقارنة بالنصف الأول، دون أن يعني ذلك الخروج الكامل من دائرة الضغوط المالية.بمعنى آخر، نحن أمام فرصة لتعزيز الاستقرار المالي وتخفيف حدة الأزمة، أكثر من كوننا أمام تحول اقتصادي أوحل شامل للأزمة.

صدى نيوز