هذا نحن في فتح: ضدّ الثنائيات وضدّ اليقين الزائف

بقلم:محمد قاروط أبو رحمه

عضو مجلس إدارة أكاديمية فتح الفكرية

في كل مرة تمر فيها حركة فتح بأزمة، يخرج من يعلن نهايتها، وكأن التاريخ يتحرك بمنطق الثنائيات الحادة:

نجاح أو سقوط، بقاء أو أفول، انتصار كامل أو هزيمة كاملة.

وفي كل محطة صعبة ترتفع أصوات تتعامل مع حركة فتح وكأنها تنظيم سياسي معزول عن ظروفه، أو كيان يعمل في فراغ تاريخي وسياسي، لا حركة تحرر وطني خاضت وما زالت تخوض واحدة من أعقد التجارب النضالية في العصر الحديث.

لكن الحقيقة أن الواقع الفلسطيني لم يكن يومًا بهذه البساطة، ولم تتحرك حركة فتح يومًا في فضاء اليقين المطلق، بل في فضاء الاجتهاد الوطني والتدبر السياسي والعمل تحت أقسى ظروف الاحتلال والحصار والتشظي، والانقسام، والضغط الدولي، والإقليمي.

فتح لم تكن يومًا حركة جامدة تعيش على الشعارات، بل حركة فعل ومبادرة ومواجهة. والمبادر وحده هو الذي ينجح ويفشل، يصيب ويخطئ، أما المتفرج فلا يخطئ لأنه لا يفعل شيئًا أصلًا.

فتح ضد الثنائية

الثنائيات تريح أصحاب التنظير، لكنها لا تصنع تاريخًا، ولا تبني مشروع تحرر وطني. فحركة فتح منذ انطلاقتها لم تتحرك بين الأبيض والأسود، بل داخل المساحات الرمادية المعقدة:

بين الممكن والمطلوب،

بين الثورة والسياسة،

بين البقاء والمواجهة،

بين الحلم والواقع.

ولهذا كانت تجربتها مليئة بالاجتهادات، وبعضها أصاب وبعضها أخطأ، لكن الحركة بقيت دائمًا داخل الفعل الوطني لا خارجه، وداخل الميدان لا على هامشه.

فتح لم تنطلق من أجل نفسها

حركة فتح لم تنطلق كمشروع يبحث عن مجده الخاص، ولم تكن يومًا تنظيمًا غايته الحفاظ على ذاته أو امتيازاته. منذ الرصاصة الأولى كان قسمها الإخلاص لفلسطين، لا الإخلاص للتنظيم بوصفه غاية مستقلة.

فتح قالت دائمًا:

فلسطين أولًا،

والشعب الفلسطيني أولًا،

والهوية الوطنية الفلسطينية أولًا.

ولهذا فإن تقييم فتح لا يمكن أن يُختزل في قراءة نتائج مؤتمر أو خلافات داخلية أو أسماء فازت وأخرى خسرت، بل يجب أن يبدأ من السؤال الوطني الأعمق:

أين كانت فلسطين عندما انطلقت فتح؟
وأين أصبح الشعب الفلسطيني اليوم؟
وكم بقي من الهوية الوطنية الفلسطينية رغم كل مشاريع الشطب والتصفية؟

حين انطلقت فتح، كان المشروع الصهيوني يعمل على إنهاء اسم فلسطين سياسيًا وتاريخيًا، وتحويل الفلسطيني إلى مجرد لاجئ بلا قضية وطنية. وكان العالم يتعامل مع فلسطين باعتبارها ملفًا أُغلق وانتهى.

فتح أعادت بناء الشخصية الوطنية الفلسطينية، وأعادت فلسطين إلى الخارطة السياسية الدولية، وحولت الفلسطيني من حالة إنسانية صامتة إلى شعب صاحب قضية وحقوق، وهوية، وكفاح، وطني.

لا يمكن تقييم فتح دون تقييم المشروع الصهيوني

الإشكال في كثير من القراءات النقدية أنها تتعامل مع فتح وكأنها تعمل داخل دولة مستقرة ذات سيادة كاملة، بينما الحقيقة أن فتح واجهت وما زالت تواجه واحدًا من أخطر المشاريع الاستيطانية المدعومة عالميًا.

كيف يمكن تقييم حركة تحرر وطني دون تقييم المشروع الذي انطلقت لمواجهته؟

كيف يمكن الحكم على فتح دون النظر إلى:

الدعم الغربي غير المحدود لإسرائيل،

والتحولات الإقليمية،

والانقسامات العربية،

والحصار المالي والسياسي،

ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية منذ عقود؟

والتطبيع العربي، واتفاقات ابراهام

فتح لم تواجه خصمًا سياسيًا عاديًا، بل واجهت مشروعًا استيطانيًا إحلاليًا يمتلك قوة عسكرية ودعمًا دوليًا هائلًا، ومع ذلك:

لم تختفِ فلسطين،

ولم تُمحَ الهوية الوطنية،

ولم ينتهِ الشعب الفلسطيني،

وما زالت القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي العالمي رغم كل محاولات التصفية.

وهذا بحد ذاته جزء أساسي من أي تقييم موضوعي للتجربة.

فتح تتحرك في فضاء عدم اليقين

الذين يكتبون اليوم بلغة “كان يجب أن تفعل فتح كذا”، يتحدثون وكأن السياسة علم يقيني، بينما الحقيقة أن العمل السياسي تحت الاحتلال هو اجتهاد دائم في ظروف غير مستقرة.

فتح لا تقرأ الغيب، ولم تدّع العصمة يومًا، لكنها كانت تتحمل مسؤولية القرار في بيئة شديدة القسوة:

احتلال،

حصار،

انقسام،

انهيار اقتصادي،

ضغوط دولية،

وحروب مفتوحة على الوجود الفلسطيني.

العمل تحت الاحتلال ليس تمرينًا فكريًا في صالونات السياسة أو الجامعات الأوروبية، بل صراع يومي على بقاء الإنسان والقضية والهوية.

النقد تابع لا أصيل

النقد الحقيقي ضرورة وطنية، وفتح نفسها لم تغلق الباب يومًا أمام النقد الموضوعي البنّاء، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين نقد يريد تصويب المسار، ونقد يريد هدم الفكرة نفسها وتحويل كل أزمة إلى إعلان وفاة سياسية.

النقد البنّاء يساعد على استمرار المشروع الوطني بأقل الخسائر، أما النقد الذي يغرق في السوداوية والتجريح وتحويل الأخطاء إلى نفي كامل للتجربة، فإنه يتحول من أداة بناء إلى معول هدم.

هناك من ينتظر دائمًا أن يتحرك الآخرون، ثم يبدأ بإصدار الأحكام عليهم بعد وقوع الأحداث، بينما جوهر الفعل الوطني هو المبادرة وتحمل المسؤولية لا الاكتفاء بالمراقبة والتنظير.

ولعل من الظلم أيضًا تصوير حركة فتح وكأنها ترفض النقد أو تعيش خارج المراجعة. فالمتابع للمقالات والكتابات المنشورة يوميًا في الصحف الورقية والمواقع الفلسطينية، يلاحظ حجم النقد القاسي أحيانًا الذي يوجهه أبناء الحركة أنفسهم، من قادة وكوادر وكتّاب ومثقفين فتحاويين، ممن يختلفون مع السياسات أو الأداء أو الأدوات، لكنهم ينطلقون من الحرص على الحركة والمشروع الوطني لا من الرغبة في هدمهما.

هذا النقد الداخلي لم يكن يومًا ظاهرة طارئة في فتح، بل جزء من حيويتها السياسية والفكرية، لأنه نقد يبحث عن التصويب والبناء، لا عن إعلان النهايات وإنتاج اليأس. نقد يحاول أن يخرج من أسر الثنائيات الحادة، ويدرك أن الحركات الوطنية الكبرى لا تُدار بمنطق الأبيض والأسود، ولا تُقاس بلحظة انفعال سياسي أو أزمة عابرة.

لقد كتب كثيرون من أبناء فتح بجرأة عن:

الترهل التنظيمي،

وضعف الأداء،

وأخطاء الإدارة،

والحاجة إلى التجديد،

وإعادة بناء العلاقة مع الجماهير،

وتصويب الأولويات الوطنية والتنظيمية.

لكن الفرق بين هذا النقد وغيره، أنه نقد يرى في فتح مشروعًا وطنيًا قابلًا للإصلاح والتطوير، لا عبئًا يجب التخلص منه أو تجربة يجب شطبها من التاريخ.

وهذا بحد ذاته دليل على أن فتح، رغم كل ما تواجهه، ما زالت تمتلك داخلها مساحة للحوار والمراجعة والاشتباك الفكري، لأن الحركات الحية وحدها هي التي تُنتج النقد من داخلها، لا الحركات التي ماتت أو تحولت إلى قوالب مغلقة.

فتح في الميدان لا في التنظير

هناك فرق بين من يدفع كلفة القرار ومن يكتب عنه، وبين من يتحمل نتائج الفعل الوطني ومن يكتفي بإنتاج خطاب سوداوي من مسافات آمنة.

فتح ليست كتاب عواصم في لندن أو بعض المدن الأوروبية، او العربية، حيث تتحول القضية الفلسطينية إلى مادة تحليل نظري مجرد، بل حركة وُلدت من الميدان، وما زالت تدفع أثمان وجودها في الميدان.

قد تحتاج الحركة إلى مراجعات عميقة،
وقد تحتاج إلى تطوير أدواتها وخطابها وبنيتها التنظيمية،
لكن هذا يختلف تمامًا عن تحويل كل أزمة إلى سردية، نهاية الحركة.

السؤال الحقيقي

السؤال الحقيقي ليس:
هل أخطأت فتح؟

طبعًا أخطأت، وهي نفسها لم تدّع يومًا أنها معصومة عن الخطأ.

لكن السؤال الأهم:
هل ما زالت فتح تمتلك الرؤية والإرادة والأدوات التي تؤهلها للاستمرار في خدمة المشروع الوطني الفلسطيني؟

هذا هو السؤال الوطني الجدي، لا سؤال النهاية الذي يُطرح أحيانًا وكأن القضية الفلسطينية نفسها تعيش خارج التاريخ والصراع والتوازنات الدولية.

هذا نحن في فتح

نحن لسنا حركة تبحث عن مجدها الخاص،
بل حركة دفعت أثمان وجودها من أجل بقاء فلسطين حاضرة.

نحن لسنا حركة يقين مطلق،
بل حركة اجتهاد ومبادرة وفعل مستمر.

قد نصيب،
وقد نخطئ،
لكننا لم نغادر الميدان يومًا.

هذا نحن في فتح:
حركة رسالية نضالية مثابرة، تقيس نفسها دائمًا بمقدار ما تخدم فلسطين، لا بمقدار ما تربحه لنفسها، وتؤمن أن طريق الحرية لا يُصنع بالثنائيات الحادة ولا باليقين الزائف، بل بالفعل والصبر والتضحية واستمرار الكفاح الوطني حتى تحقيق أهداف شعبنا الفلسطيني.أعلى النموذج

أسفل النموذج

البوابة 24