بين المرض والحصار.. مرضى السرطان في غزة يواجهون الموت مرتين

مرضى غزة
مرضى غزة

غزة/ البوابة 24 - يافا أبو عكر

 

في زاوية خيمة مهترئة نُصبت فوق أرض قاسية، يجلس الخمسيني أبو أحمد متكئًا على وسادة صغيرة، محاولًا إخفاء الألم الذي ينهش جسده منذ سنوات. لم يعد الرجل يخوض معركة واحدة مع مرض السرطان الذي أصابه، بل وجد نفسه في مواجهة حرب أخرى أشد قسوة؛ حرب نقص الدواء وانهيار الخدمات الصحية التي باتت تهدد حياته يومًا بعد آخر.

يحاول أبو أحمد التقاط أنفاسه بين حين وآخر قبل أن يقول بصوت متعب: "أشعر أن المرض يزداد قوة كل يوم، ليس لأن العلاج لا يجدي نفعًا، بل لأن العلاج نفسه لم يعد موجودًا. أحيانًا أقضي الليل كله دون نوم من شدة الألم، وأحيانًا أخرى أخشى أن يكون يومي القادم هو الأخير."

قبل الحرب، كان يتلقى علاجه بشكل دوري داخل المستشفى، ويخضع لمتابعة طبية منتظمة تساعده على السيطرة على المرض. أما اليوم، فقد تحولت رحلة العلاج إلى طريق مليء بالعقبات، بدءًا من النقص الحاد في الأدوية ووصولًا إلى تعطل العديد من الخدمات الطبية المتخصصة التي يعتمد عليها المرضى للبقاء على قيد الحياة.

قصة أبو أحمد ليست استثناءً، بل واحدة من آلاف القصص التي تتكرر يوميًا في قطاع غزة. فمع استمرار الحرب وتدهور الواقع الصحي، بات المرضى المصابون بالسرطان والأمراض المزمنة يواجهون خطرًا مضاعفًا يتمثل في المرض من جهة، وغياب العلاج من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، كشف الدكتور محمد إبراهيم أبو ندى، المدير الطبي لمركز غزة للسرطان، عن حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها مرضى الأورام في القطاع، واصفًا ما يجري بأنه "موت حتمي صامت" نتيجة تدمير المنظومة الصحية وتشديد الحصار.

وأوضح أبو ندى أن عدد مرضى السرطان في قطاع غزة يتراوح حاليًا بين 10 و11 ألف مريض، بينهم مئات الأطفال الذين يواجهون مصيرًا مجهولًا في ظل الانهيار المتواصل للخدمات الطبية. وأكد أن المرضى بحاجة ماسة إلى ثلاثة أمور أساسية تتمثل في توفير أدوية الأورام بشكل مستدام، وتأمين المستلزمات الطبية وأجهزة التشخيص والعلاج، وضمان تحويل المرضى المحتاجين للعلاج خارج القطاع بصورة عاجلة وآمنة.

ويؤكد الدكتور محمد النجار، اختصاصي الأورام، أن القطاع الصحي يمر بإحدى أصعب مراحله، مشيرًا إلى أن مرضى السرطان من أكثر الفئات تضررًا من الأزمة الحالية.

ويقول: "العلاج في أمراض السرطان يعتمد على الاستمرارية والدقة في المواعيد والجرعات العلاجية. أي انقطاع في العلاج قد يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية بشكل كبير. اليوم نعاني من نقص حاد في أدوية الأورام، كما أن كثيرًا من الأجهزة والمستلزمات الطبية غير متوفرة."

ويضيف: "نجد أنفسنا أمام مرضى يحتاجون إلى تدخل عاجل، لكن الإمكانيات المتاحة محدودة للغاية. نحاول تقديم ما نستطيع، إلا أن الواقع يفوق قدرات الطواقم الطبية."

وتتجلى الأزمة بصورة أوضح في غياب العلاج الإشعاعي بشكل كامل عن قطاع غزة، وفق ما أكده أبو ندى، مشيرًا إلى أن نحو 40% من مرضى السرطان يحتاجون إلى العلاج الإشعاعي كجزء أساسي من بروتوكولاتهم العلاجية. وأضاف أن نقص العلاجات الموجهة والمسكنات والرعاية التلطيفية يؤدي إلى انقطاع الخطط العلاجية، ما يسرّع انتشار المرض ويقلص فرص السيطرة عليه أو الشفاء منه.

كما كشف أبو ندى أن نحو 4 آلاف مريض يمتلكون تحويلات طبية رسمية للعلاج خارج القطاع، إلا أن إغلاق المعابر يحول دون سفرهم. وأوضح أن عدد المرضى الذين تمكنوا من المغادرة خلال فترات الحرب والهدن السابقة لم يتجاوز ما بين 1500 و2000 مريض فقط، داعيًا إلى فتح معبر رفح بشكل عاجل لإنقاذ حياتهم وضمان عودتهم الآمنة إلى القطاع بعد تلقي العلاج.

وعن تداعيات الأزمة، أشار المدير الطبي لمركز غزة للسرطان إلى ارتفاع معدل الوفيات بين مرضى الأورام إلى ثلاثة أضعاف مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، موضحًا أن القطاع كان يسجل في السابق حالة وفاة واحدة يوميًا، بينما يتم تسجيل حالتين إلى ثلاث حالات وفاة يوميًا حاليًا نتيجة انعدام الدواء وتأخر العلاج.

ويرجع مختصون هذا التدهور الحاد إلى استهداف البنية التحتية الصحية، وعلى رأسها مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، الذي كان المركز الوحيد المتخصص في علاج مرضى الأورام في قطاع غزة. وقد أدى خروجه عن الخدمة إلى تنقل المرضى والطواقم الطبية بين عدة مستشفيات قبل الاستقرار على تقديم الخدمات في مركزين فرعيين داخل مجمع الشفاء الطبي ومستشفى ناصر.

ولا يقتصر الأمر على نقص الأدوية، إذ تعاني المؤسسات الصحية من تعطل العديد من الأجهزة التشخيصية الحيوية، خاصة أجهزة الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي، ما يعيق متابعة الحالات المرضية وتقييم تطور الأورام بدقة.

وتعكس الأرقام الرسمية حجم الأزمة المتفاقمة داخل القطاع. فقد حذرت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة من أن التدهور الخطير في مخزون الأدوية والمستهلكات الطبية بات يهدد حياة آلاف المرضى. وأكدت الوزارة أن نحو 250 مريضًا بالفشل الكلوي مهددون بحرمانهم من جلسات الغسيل بسبب نفاد محلول الغسيل الطبي (Bibag)، فيما يواجه ثمانية أطفال مصابين بالفشل الكلوي خطر توقف جلسات العلاج نتيجة عدم توفر الفلاتر اللازمة.

كما أشارت الوزارة إلى أن عدم توفر حقن الأنسولين يهدد صحة نحو 11 ألف مريض بالسكري، بينما يعاني 110 مرضى بالهيموفيليا من نقص العلاج اللازم، ما يضعهم أمام مضاعفات صحية وآلام متزايدة بشكل يومي.

ولا تتوقف معاناة المرضى عند حدود الألم الجسدي. فكثير منهم فقدوا منازلهم واضطروا للنزوح إلى الخيام، كما خسر عدد كبير منهم مصادر دخلهم، بينما يحتاجون إلى غذاء خاص ورعاية صحية مستمرة أصبحت بعيدة المنال في ظل الظروف الإنسانية المتدهورة.

وفي هذا الإطار، يؤكد أبو ندى أن مرضى السرطان يواجهون أيضًا أعباءً نفسية ولوجستية هائلة، تتمثل في صعوبة الوصول إلى مراكز العلاج بسبب النزوح المستمر والظروف الأمنية الخطيرة ونقص الوقود، إلى جانب سوء التغذية الحاد وظروف السكن غير الإنسانية داخل الخيام. ويضيف أن كثيرًا من المرضى فقدوا أفرادًا من عائلاتهم خلال الحرب،

البوابة 24