بقلم: ميسون كحيل
سيدة من غزة شوهدت تمشي بثقل كبير وتشعر بالضياع، ولا تعرف أين تأخذها أقدامها. قال الراوي الحقيقي، لقد حاولت التحدث معها لكني شعرت أنها لا تسمعني، فهي في حالة ذهول وعدم إدراك. المشكلة أنها لا تتوقف وتتجه إلى مكان يتواجد فيه جيش الاحتلال، وهي في حالة من فقدان الوعي وتشبه شخصًا مصابًا بالمشي أثناء النوم.
فجأة جاءت فتاة من بعيد تنادي عليها وتبكي في آن واحد، إلى أن تمكنت من إيقافها وأخذت بيدها كي تعود أدراجها. لكن السيدة كانت ترفض العودة، واتضح أن لديها إصرارًا على استكمال المسير في الاتجاه الخاطئ والخطر. اقترب الراوي من الفتاة والسيدة مستفسرًا عن المشكلة وحال السيدة، فقالت الفتاة، إنها سيدة فاضلة كانت جارة لنا، وقد فقدت زوجها وأبناءها الأربعة ومنزلها، وأصيبت بحالة من الاضطرابات النفسية ولم نتمكن من السيطرة عليها. والمشكلة الأعمق أنها فقدت أيضًا قبل ذلك والدها ووالدتها وإخوتها، ولم يعد لها أحد يمكن اللجوء إليه، وأصبحت تهذرم في الكلام وتتمنى الموت!
إنها الحرب على غزة، الحرب التي فرضت على أهلها، الحرب التي سرقت أحلام الطفولة ومستقبل الشباب واستقرار الإنسان الفلسطيني، الحرب التي أثبتت فشل كافة المؤسسات والهيئات والحكومات الفلسطينية والعربية والدولية في إنقاذ أهل غزة من طوفان الاحتلال!
حاول الراوي مساعدة الفتاة في إقناع السيدة الفلسطينية بالعودة معها، لأن السير في الاتجاه الآخر خطر عليها. ووسط ترقبنا وذهولنا صرخت السيدة وقالت، "اتركوني، ابتعدوا عني، زوجي وأبنائي ينتظرونني، أريد أن أذهب إليهم". ردت عليها الفتاة وهي تبكي، "لقد ماتوا، ماتوا يا خالة". فنظرت السيدة إلى الفتاة وتبسمت ثم قالت لها، "أنتم الأموات"، ونفضت يدها من يد الفتاة، وصممت على تكملة مسيرها إلى المنطقة الخطيرة، وكأنها قررت اللحاق بزوجها وأبنائها فعلاً. ففي غزة القصص والروايات كثيرة، عنوانها الرئيسي، عندما يكون الموت حلاً!
كاتم الصوت: حتى اللحظة لم يُعرف مصير السيدة، هل لحقت بالشهداء أم لا تزال بين الأموات؟
كلام في سرك: جحيم ينتظر فيه الناس معبرًا للخروج، فقد وصلت قناعتهم إلى أنه لا حياة كريمة قريبة.
رسالة: المواطن الفلسطيني في غزة يواجه مصيرًا سيئًا، فقوات الاحتلال القتل لديها أسهل من إلقاء التحية. وفي الوقت نفسه، فإن المواطن الفلسطيني في الضفة يواجه وضعًا مربكًا، إذ تلاحقه قوات أمنية لأنه متعثر ماليًا، فيقرر الانتحار على أن يتم حبسه!
