بقلم: ميسون كحيل
ابنا عم يجلسان على ركام منزلهما في محاولة لاستجماع ذكرياتهما، والبحث عن أمل على أنقاض البناية التي كانا يقيمان بها قبل الحرب، كلٌّ مع عائلته. عائلتان من الإخوة كانتا تقيمان في بناية واحدة، ماتوا جميعاً إثر هذه الحرب، ولم يتبقَّ إلا اثنان فقط: ابنا عم.
وفي مشهد من الخروج عن الواقع، قال أحدهما للآخر: ماذا لو وجدنا آلة تنقلنا إلى زمن آخر، ونسافر معاً إلى المستقبل بدلاً من البقاء هنا ننتظر مصيرنا المجهول؟
ضحك الآخر وقال له: لنفترض أننا حصلنا على هذه الآلة، فأي زمن تختار؟
فكان الرد سريعاً قائلاً: سأختار زمناً بعيداً جداً، لا أجد فيه أحداً يكره غزة، ولا مسؤولاً كاذباً يهمل حق أهلها، ولا أرى حرباً أو دماراً، وأن أعيش بحرية دون جيش احتلال أو مافيات تعاقب الناس على رأيها وموقفها، والأهم أن لا يكون هناك شيء اسمه فصائل، وأن لا نضطر إلى أكل أوراق الشجر جوعاً، وأن لا نتألم لامرأة فقدت أبناءها، ولا لطفلة بقيت وحيدة بلا أب أو أم أو إخوة، وأن يكون لنا بيت جميل ومكان نرتاح فيه، نجلس فيه، وننام فيه، ونجتمع فيه مع أحبائنا الذين رحلوا.
ضحك ابن عمه مجدداً قائلاً: إن أحلامك كبيرة وعظيمة، ولا ألف ليلة وليلة! يا ابن العم، صدقني، الزمن الذي أنت راغب أن نذهب إليه، مهما ابتعدنا، فإنه بالتأكيد لن يكون مختلفاً عما نعيش فيه. وصدقني، حتى لو اخترت السفر إلى عام 2100، فإنك ستقرأ بيان حسون المتحمس للاستمرار في أحجية مقاومة الاحتلال، كذلك سترى بعينيك لجنة منتخبة عقدت اجتماعاً وتركز على توزيع المناصب على بعضها، بينما أنت ومن معك على رصيف غزة المنسية!
حزن ابن العم الآخر من كلام ابن عمه، وقال له: لماذا هذا التشاؤم؟ فليس من المعقول أن نسافر عبر الزمن إلى عام 2100 ونجد ما تقول!
ضحك أيضاً مجدداً ابن عمه قائلاً: عن أي تشاؤم تتحدث؟ (لسه) أنا لم أقل لك الأهم! والأهم، يا ابن عمي، أنك حتى لو سافرت عبر الزمن إلى عام 2100، فلا تتفاجأ إذا وجدت هناك أصدقاءنا القدماء عباس وحسين ومحمود يلعبون طاولة الزهر مع جارنا المرحوم أبو زهري وصاحبه أبو شعلة. وصدق أن الأفضل لي ولك ولأهل غزة: (خلينا هِنا) بين الأنقاض، فهذا هو قدرنا، لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، حتى لو استخدمنا آلة السفر عبر الزمن!
كاتم الصوت: غزة ليست بحاجة إلى آلة زمن تأخذها إلى المستقبل، بل إلى زمن لا توجد فيه أحزاب ولا حركات ولا شخصيات كرتونية.
كلام في سرك: العمل النضالي والوطني والنقابي والوزاري، أصبحت الأفضلية فيه للعوائل والأقرباء والمحسوبيات، والأهم للتحويلات من فصيل إلى آخر!
رسالة: غزة تستحق الأفضل والأكثر. غزة ليست مدينة عابرة، ويكفي استغلالها حجةً للاستمرار والبقاء، أو اعتبارها محطة عبور إلى القمة.
