د. منصور أبو كريم
باحث في الشؤون السياسية
ينبري بعض الكُتّاب والمحللين للدفاع عن حالة الانقسام الفلسطيني أو التقليل من خطورتها، انطلاقًا من فكرة مفادها أن جوهر الأزمة الفلسطينية لا يكمن في الانقسام وتداعياته، وإنما في وجود الاحتلال الإسرائيلي وسياساته. وبطبيعة الحال، لا يمكن لأي قراءة موضوعية أن تنكر أن الاحتلال كان وما زال العامل الرئيس في معاناة الشعب الفلسطيني، وأنه يتحمل المسؤولية الأساسية عن استهداف الأرض والإنسان والهوية الوطنية الفلسطينية.
فعلى مدى عقود طويلة، عمل الاحتلال على تقويض القدرات الوطنية الفلسطينية، والسيطرة على الأرض والموارد، وإضعاف مقومات الصمود والتنمية، كما سعى إلى تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وعزل مكوناتها عن بعضها البعض، وفرض وقائع سياسية وميدانية تخدم أهدافه الاستراتيجية. وقد استغل كل لحظة ضعف فلسطيني لتعزيز سيطرته وتوسيع مشاريعه الاستيطانية وتقويض فرص الوصول إلى تسوية عادلة تضمن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
كما سعى إلى إضعاف المؤسسات الوطنية ومنع تطورها الطبيعي، وعمل على تكريس حالة التبعية والارتهان، مستهدفًا مختلف القطاعات الحيوية، من التعليم والصحة إلى الاقتصاد والبنية التحتية. ولم تقتصر سياساته على الجوانب المادية فحسب، بل امتدت إلى محاولة إضعاف الهوية الوطنية الفلسطينية وتفكيك وحدة الشعب الفلسطيني جغرافيًا وسياسيًا واجتماعيًا، من خلال سياسات الفصل والعزل والتجزئة.
وإلى جانب ذلك، استغل الاحتلال كل مظاهر الضعف والانقسام في الساحة الفلسطينية لتعزيز سيطرته وفرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر التوسع الاستيطاني أو تقويض فرص الحلول السياسية العادلة. لذلك فإن الاحتلال يبقى العامل المركزي في إنتاج الأزمة الفلسطينية وتعقيداتها، غير أن مواجهة هذا الواقع تتطلب في الوقت ذاته امتلاك عناصر القوة والوحدة الوطنية القادرة على الحد من آثار سياساته وإفشال أهدافه.
غير أن الإقرار بهذه الحقائق لا يعني تجاهل الآثار العميقة التي خلّفها الانقسام الفلسطيني على القضية الوطنية. فالمشكلة لا تكمن في الاعتراف بأن الاحتلال هو أصل الصراع، بل في استخدام هذه الحقيقة لتبرير الإخفاقات الداخلية أو إعفاء الأطراف الفلسطينية من مسؤولياتها السياسية والوطنية. إذ إن الانقسام لم يكن مجرد خلاف سياسي عابر، بل تحول إلى واقع بنيوي أضعف النظام السياسي الفلسطيني وأفقده الكثير من قدرته على الفعل والتأثير.
لقد ساهم الانقسام في إضعاف وحدة القرار الوطني، وتراجع مكانة المؤسسات الفلسطينية، وتعطيل مسارات التطوير والإصلاح، كما أوجد بيئتين سياسيتين وإداريتين منفصلتين، الأمر الذي انعكس سلبًا على مختلف جوانب الحياة الفلسطينية. وفي الوقت الذي كان فيه الاحتلال يعمل على تكريس وقائعه على الأرض، كانت الطاقات الفلسطينية تُستنزف في إدارة الانقسام وتداعياته بدلًا من توجيهها نحو تعزيز الصمود الوطني ومواجهة التحديات المشتركة.
ومن يريد حقًا أن يدرك حجم الأضرار التي ألحقها الانقسام بالقضية الفلسطينية، عليه أن يقارن بين واقع الحالة الفلسطينية قبل عام 2007 وما آلت إليه اليوم. فهذه المقارنة لا تقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل تشمل مختلف المستويات الوطنية والمؤسساتية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية. وعند إجراء هذه المقارنة بموضوعية وتجرد، بعيدًا عن الحسابات الفصائلية والمصالح الشخصية، تظهر بوضوح حجم الخسائر التي تكبدها المشروع الوطني الفلسطيني نتيجة استمرار الانقسام.
إن مواجهة الحقيقة تقتضي الاعتراف بأن الاحتلال والانقسام ليسا عاملين متناقضين، بل إن أحدهما استفاد من الآخر. فالاحتلال ظل العامل المركزي في إنتاج المعاناة الفلسطينية، لكنه وجد في الانقسام فرصة ثمينة لتعميق سياساته وإضعاف القدرة الفلسطينية على المواجهة. ولذلك فإن التقليل من خطورة الانقسام أو تبرير استمراره لا يخدم سوى استمرار حالة التراجع والعجز التي تعيشها القضية الفلسطينية.
ومن هنا، فإن المسؤولية السياسية والتاريخية والأخلاقية لا تقع فقط على عاتق الأطراف التي صنعت الانقسام، بل تمتد أيضًا إلى كل من ساهم في تكريسه أو وفر له المبررات والغطاء السياسي والإعلامي. فالأمم والشعوب لا تتقدم عبر إنكار أخطائها، وإنما من خلال الاعتراف بها والعمل على معالجتها. وأي مشروع وطني يسعى إلى استعادة قوته وقدرته على مواجهة التحديات لا يمكن أن ينجح ما لم يجعل إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية أولوية لا تحتمل التأجيل.
