بين الوجهة ونقطة الانطلاق
حوار مع د. غانية ملحيس
مقال: حين تضيع الوجهة قبل أن تضيع البوصلة، 9حزيران 2026
هل تكفي معرفة الاتجاه دون معرفة الموقع؟
محمد قاروط أبو رحمه
تمهيد
في النقاشات الكبرى حول قضايا التحرر الوطني، كثيرًا ما يتمحور الجدل حول سؤال الاتجاه: إلى أين نتجه؟ وما هو الهدف النهائي؟
لكن سؤالًا آخر أكثر عمقًا يظل حاضرًا في الخلفية: أين نقف الآن أصلًا؟
بين هذين السؤالين تتشكل مناظرة فكرية هادئة بين رؤيتين:
• رؤية تُركز على الوجهة التاريخية ومعنى الهدف
• ورؤية تُركز على نقطة الانطلاق وشروط القدرة على الوصول
أولًا: رؤية الوجهة – حين يكون السؤال هو إلى أين؟
تنطلق هذه الرؤية من أن الأزمة الأساسية في تجارب التحرر ليست في غياب الأهداف، بل في اضطرابها أو فقدان وضوحها.
فالسؤال المركزي هنا هو: هل نعرف إلى أين نتجه؟
وفق هذا التصور، تمر حركات التحرر بثلاث مراحل كبرى:
• التحرير: إنهاء السيطرة المباشرة
• الاستقلال: تفكيك الإرث البنيوي للاحتلال
• الحرية: امتلاك القدرة على تقرير المصير
لكن الإشكال يظهر عندما:
• يتحول الوسيط (السلطة/الدولة) إلى غاية
• أو تُختزل الأهداف الكبرى تحت ضغط الواقع
• أو يُعاد تعريف الهدف بدل الوصول إليه
في هذا الإطار، تصبح الأزمة الأساسية: تشوه الوجهة تحت ضغط موازين القوة
ثانيًا: رؤية الموقع – حين يكون السؤال هو أين نحن؟
في المقابل، تنطلق الرؤية الثانية من إشكال أسبق: لا يمكن الحديث عن الاتجاه دون معرفة نقطة الانطلاق.نقطة الانطلاق ليست موقعًا جغرافيًا فقط، بل هي:
• القدرة الفعلية
• بنية الواقع
• ميزان القوة
• البيئة المحلية والإقليمية والدولية
• مستوى الوعي والخبرة
ومن دون هذا الفهم، يصبح تحديد الوجهة مجرد تصور ذهني منفصل عن الواقع.
وهنا تظهر الفرضية المركزية: من لا يعرف موقعه لا يمكنه أن يحدد اتجاهه بدقة
بل إن الإشكال أعمق: قد يعرف الهدف، لكنه لا يعرف ما إذا كان قادرًا على الوصول إليه أصلًا
ثالثًا: نقطة التوتر بين الرؤيتين
تبدو الرؤيتان متعارضتين ظاهريًا: الأولى تقول: المشكلة في الوجهة، الثانية تقول: المشكلة في الموقع. لكن عند التدقيق، يتضح أن العلاقة بينهما ليست تناقضًا، بل تتابعًا:
لا يمكن الحكم على سلامة الوجهة دون فهم الموقع
ولا يمكن فهم الموقع دون تصور وجهة مرجعية
أي أن: الوجهة تمنح المعنى، الموقع يمنح الإمكانية
رابعًا: البعد الغائب – حين يغيب التوازن بين الموقع والاتجاه
المشكلة لا تظهر عندما يُعرف أحد الطرفين، بل عندما:يُضخم الاتجاه ويُهمل الموقع
أو يُستغرق في الواقع ويُنسى الهدف.
في الحالة الأولى: يتحول الهدف إلى خطاب رمزي منفصل عن القدرة
وفي الحالة الثانية: يتحول الواقع إلى سقف نهائي يقتل إمكانية التغيير
خامسًا: إسقاط على القرار والوعي
من زاوية اتخاذ القرار، يظهر هذا الخلل بوضوح: الحدس السياسي أو القيادي لا يعمل في فراغ، بل يحتاج إلى خريطة موقع دقيقة. فكل قرار يفترض ثلاثة عناصر:
أين نحن؟ إلى أين نريد الذهاب؟ ما المسار الممكن بينهما؟
غياب أحد هذه العناصر يؤدي إلى: تضخيم الحدس، أو تحويل التخمين إلى سياسة، أو جعل الارتجال بديلاً عن التخطيط
سادسًا: نحو تركيب جديد للفهم
بدل الفصل بين الرؤيتين، يمكن بناء تصور مركب:الاتجاه دون موقع = وهم، الموقع دون اتجاه = سكون، التوازن بينهما = وعي استراتيجي.
وبذلك تصبح القضية ليست: الوجهة فقط ولا: الموقع فقط، بل العلاقة الديناميكية بينهما.
خاتمة:
لا يكفي أن نسأل: إلى أين نتجه؟ ولا يكفي أن نعرف أين نحن فقط. بل السؤال الأعمق هو:
كيف يتحول الموقع إلى قدرة، والوجهة إلى إمكانية، بين وعي الواقع ووعي الهدف؟
في هذا التوتر الخلاق بين الموقع والاتجاه، لا تُختزل القضية في هدف نهائي فقط، ولا في واقع قائم فقط، بل تُفهم كعملية مستمرة لبناء القدرة على الانتقال من أحدهما إلى الآخر.
