حقيقة مكتملة أم “صفقة مُعلّقة” تُدار بالإعلام؟

 بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في مشهد سياسي شديد الاضطراب، تتقاطع التصريحات بين واشنطن وطهران عند نقطة واحدة: غياب اليقين. فبين إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن “اتفاق مرتقب يُوقّع غداً”، وبين نفي الحرس الثوري الإيراني لأي ترتيبات توقيع، يتكشف أمامنا نموذج واضح لحرب الروايات بقدر ما هو مسار تفاوضي لم يكتمل بعد. ما يجري لا يمكن قراءته بوصفه اتفاقاً نهائياً، بل أقرب إلى “مسرح سياسي مفتوح” تُستخدم فيه التصريحات كأدوات ضغط، واختبار ردود الفعل، وإعادة تموضع داخلي وخارجي لكل طرف. فالإعلان الأمريكي عن توقيع وشيك لا يبدو حتى الآن مدعوماً بإجماع مؤسساتي داخل إيران، كما أن النفي الصادر عن الحرس الثوري يكشف بوضوح أن القرار – إن كان قد نضج فعلاً – لم يصل بعد إلى لحظة التوافق الداخلي الإيراني النهائي. في جوهر هذا المشهد، لا يتعلق الأمر فقط بتباين تقني حول موعد التوقيع، بل بصراع أعمق حول تعريف ما تم التوصل إليه: هل هو اتفاق مكتمل، أم إطار تفاهم أولي، أم مجرد “تقدم تفاوضي” يُراد تسويقه سياسياً وإعلامياً؟ المفارقة أن كل طرف يسعى إلى تثبيت روايته الخاصة أمام الداخل والخارج. فواشنطن تبدو معنية بإظهار اختراق دبلوماسي يُترجم سياسياً وإعلامياً، في حين تحرص طهران على ضبط إيقاع الإعلان بما يتناسب مع توازناتها الداخلية، خصوصاً بين مؤسسات الدولة المختلفة، وفي مقدمتها الحرس الثوري الذي لطالما لعب دوراً محورياً في رسم حدود التفاوض مع الغرب. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن “توقيع إلكتروني” أو “تأجيل حضوري لأسباب لوجستية” مجرد تفصيل ثانوي في مشهد أكبر، حيث تُدار الدبلوماسية الحديثة ليس فقط عبر الطاولات المغلقة، بل أيضاً عبر الرسائل الإعلامية المتبادلة، التي قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من النصوص القانونية نفسها. الأكثر دلالة في هذا المشهد هو أن أي اتفاق محتمل – إن تم فعلاً – لن يكون نهاية لمسار التوتر، بل بداية لمرحلة أكثر تعقيداً من التفاوض حول آليات التنفيذ، كما تشير بعض التسريبات إلى فترة تمتد لستين يوماً من النقاشات التقنية. وهذا وحده يكشف أن ما يجري لا يزال في منطقة “ما قبل الاتفاق النهائي” وليس بعده. إقليمياً، لا يمكن فصل هذا الحراك عن تداعياته الواسعة على موازين القوى في الشرق الأوسط، حيث تراقب أطراف عديدة هذا المسار بقلق أو بحذر أو بانتظار إعادة التموضع. فكل تحول في العلاقة الأمريكية – الإيرانية ينعكس تلقائياً على ملفات ساخنة تمتد من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان. أما على مستوى الرأي العام داخل إيران، فتشير المؤشرات إلى حالة من التشكيك وعدم اليقين، تعكس إرهاقاً تراكمياً من سنوات طويلة من العقوبات والتوتر، دون وضوح في مآلات أي تفاهمات قادمة. إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس غياب الاتفاق، بل تضارب تعريفه. فحين تعلن واشنطن أن الاتفاق وُلد، وتنفي طهران أنه جاهز، يصبح السؤال الحقيقي ليس “هل تم الاتفاق؟” بل “من يملك حق إعلان ولادة الاتفاق؟”. وبين هاتين الروايتين، تبقى الحقيقة الوحيدة المؤكدة أن المنطقة تقف أمام مرحلة انتقالية حساسة، تُدار فيها السياسة بقدر عالٍ من الغموض، وتُصاغ فيها التحولات الكبرى خارج القوالب التقليدية للدبلوماسية. وعليه، فإن أي قراءة متعجلة للحدث ستظل ناقصة، لأن ما يجري حتى اللحظة هو عملية تفاوض مفتوحة، تتداخل فيها السياسة بالإعلام، والاستراتيجية بالرسائل، والاتفاق المحتمل بحسابات الداخل قبل الخارج. وفي النهاية، قد لا يكون السؤال المطروح هو: هل تم التوقيع؟ ؟ بل: ما الذي سيعنيه هذا التوقيع – إن حدث – في ميزان قوة يتغير بصمت، لكنه لا يتوقف؟

البوابة 24