غزة/ البوابة24 - يافا أبو عكر
يستعد آلاف طلبة الثانوية العامة "التوجيهي" في قطاع غزة لخوض امتحاناتهم المرتقبة خلال الأيام المقبلة، في ظل ظروف استثنائية تُعد من الأصعب في تاريخ العملية التعليمية الفلسطينية، حيث تتقاطع تحديات الحرب والنزوح وفقدان المأوى مع الضغوط النفسية والمعيشية التي تثقل كاهل الطلبة وعائلاتهم.
وتأتي هذه الامتحانات بعد أشهر طويلة من الانقطاع والتعثر التعليمي الناتج عن الحرب التي دمّرت جانباً واسعاً من البنية التعليمية في قطاع غزة، ما جعل الاستعداد للامتحانات رحلة شاقة لكثير من الطلبة الذين وجدوا أنفسهم يدرسون في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار.
أرقام التسجيل والتجهيز للامتحانات
وفي حديث لـ"البوابة"، أوضح أحمد عايش النجار، مدير عام العلاقات العامة والإعلام في وزارة التربية والتعليم العالي، أن عدد الطلبة الذين قاموا بالتسجيل للتقدم لامتحانات الثانوية العامة في قطاع غزة بلغ نحو 36 ألف طالب وطالبة، فيما سجل قرابة 30 ألف طالب عبر تطبيق "Wise School" واستصدروا كلمة المرور والرقم المرجعي اللازمين للتقدم للامتحانات الإلكترونية.
وأكد النجار أن الامتحانات ستُعقد إلكترونياً، موضحاً أن الأسئلة ستكون من نوع الاختيار من متعدد، وتتكون من 40 سؤالاً .
وحول كيفية تعامل طلبة الفرع العلمي مع المسائل الرياضية والفيزيائية التي تحتاج إلى عمليات حسابية وحل مطول، أشار إلى أن الطلبة مطالبون بإحضار ما يلزمهم من أدوات تساعدهم على التقدم للامتحان الإلكتروني.
تحديات تقنية في ظروف استثنائية
ومع اعتماد الامتحانات على النظام الإلكتروني، تبرز تساؤلات حول احتمالية انقطاع الإنترنت أو حدوث أعطال تقنية أثناء التقديم، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع.
وفي هذا السياق، شدد النجار على ضرورة تأكد الطالب مسبقاً من توفر اتصال إنترنت ثابت وقوي قبل بدء الامتحان، موضحاً أنه في حال حدوث خلل أو انقطاع في الاتصال فإن التطبيق يعود للعمل فور استعادة الإنترنت، ما يتيح للطالب استكمال الامتحان.
وعن كيفية التعامل مع أي إشكاليات قد تواجه الطلبة أثناء التقديم في ظل واقع غير اعتيادي، قال النجار: "أمور الحياة كلها غير طبيعية"، مضيفاً: "كان الله في عون الجميع، وعون أبنائنا الطلبة"، متمنياً لهم النجاح والتوفيق.
مدارس مدمرة وتعليم بديل
ومنذ اندلاع الحرب، تعرضت مئات المدارس والمنشآت التعليمية في قطاع غزة لأضرار متفاوتة، فيما خرج عدد كبير منها عن الخدمة بشكل كامل نتيجة القصف أو استخدامها كمراكز إيواء للنازحين.
وأجبرت هذه الظروف آلاف الطلبة على استكمال تعليمهم بوسائل بديلة، من خلال التعليم الإلكتروني أو المبادرات التعليمية المؤقتة داخل الخيام ومراكز النزوح، وسط نقص حاد في الكهرباء وخدمات الإنترنت والأدوات التعليمية الأساسية.
الطالب محمد أبو عودة (18 عاماً) من مدينة غزة يقول إن التحدي الأكبر لم يكن صعوبة المنهاج بقدر ما كان إيجاد بيئة مناسبة للدراسة.
وأضاف: "نعيش في مكان نزوح مكتظ، والكهرباء محدودة جداً، وأحياناً أضطر للدراسة على ضوء الهاتف المحمول. الجميع يشعر بالخوف من الامتحانات لأن الظروف لم تكن طبيعية طوال العام".
قلق الأهالي
ولا يقتصر القلق على الطلبة فقط، بل يمتد إلى أولياء الأمور الذين يعيشون حالة من التوتر مع اقتراب موعد الامتحانات.
أم أحمد، والدة أحد الطلبة، تؤكد أن العائلات الفلسطينية تبذل ما تستطيع لدعم أبنائها رغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
وتقول: "أبناؤنا لم يعيشوا عاماً دراسياً عادياً. مروا بالنزوح والخوف وفقدان الأصدقاء والأقارب، ومع ذلك ما زالوا يحاولون التمسك بحقهم في التعليم".
وتشير إلى أن كثيراً من الأسر تعاني من صعوبة توفير مستلزمات الدراسة أو حتى تأمين مكان هادئ للمراجعة.
المعلمون: فاقد تعليمي كبير
من جانبه، يؤكد المعلم خالد المصري أن الطلبة واجهوا فاقداً تعليمياً كبيراً خلال العامين الماضيين.
ويقول: "هناك جهود كبيرة بذلت من قبل المعلمين لتعويض الطلبة، لكن لا يمكن إنكار أن الحرب تركت آثاراً واضحة على التحصيل العلمي والتركيز والقدرة على المتابعة المنتظمة".
وأضاف أن العديد من الطلبة اضطروا للتنقل بين مناطق مختلفة أو الانقطاع لفترات طويلة عن الدراسة بسبب الظروف الأمنية.
بدورها، أكدت وزارة التربية والتعليم أنها استكملت الاستعدادات الفنية والإدارية اللازمة لعقد الامتحانات، مشيرة إلى وجود ترتيبات خاصة تراعي واقع الطلبة في قطاع غزة.
وتسعى الوزارة إلى ضمان وصول الطلبة إلى الامتحانات بأقل قدر ممكن من العقبات، مع توفير فرق دعم وإرشاد تربوي لمساندتهم خلال هذه المرحلة الحساسة.
أبعاد نفسية مقلقة
ويرى المختص النفسي الدكتور سامر أبو شمالة أن الطلبة يعيشون مستويات مرتفعة من القلق والضغط النفسي نتيجة تراكم الأزمات التي مروا بها خلال فترة الحرب.
وأوضح أن فقدان الأمان والاستقرار ترك آثاراً نفسية عميقة على فئة المراهقين والشباب، الأمر الذي قد ينعكس على الأداء الأكاديمي خلال الامتحانات.
وأضاف: "كثير من الطلبة يعانون من اضطرابات النوم والتوتر المستمر وصعوبة التركيز، وهي أعراض طبيعية في ظل ما مروا به، لكنهم يحتاجون إلى دعم نفسي وأسري متواصل".
ورغم الحرب والنزوح والدمار والظروف المعيشية القاسية، يتمسك طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة بحقهم في استكمال تعليمهم، معتبرين أن النجاح في التوجيهي يمثل نافذة أمل نحو مستقبل أفضل.
ومع اقتراب موعد الامتحانات، يواصل آلاف الطلبة استعداداتهم وسط تحديات غير مسبوقة، واضعين آمالهم في تجاوز آثار الحرب وتحقيق أحلامهم التعليمية، في معركة جديدة عنوانها التمسك بالعلم رغم كل الظروف.
