ألف يوم في الجحيم عندما تتحول الحياة في غزة إلى عداد للموت والفقدان

بقلم: مازن طبيل

 ​حين نكتب عن 1000 يوم من الحرب على غزة فإننا لا نتحدث عن رقم إحصائي أو وحدة زمنية عادية بل نتحدث عن ألف عام من القهر المتواصل وألف ليلة من الخوف المطبق وزمن كامل تشكل من أشلاء البيوت والذكريات 1000 يوم وغزة ترزح تحت وطأة حرب إبادة جهنمية أعادت القطاع عقودا إلى الوراء وحولت تفاصيل الحياة اليومية لأكثر من مليوني إنسان إلى معركة شاقة من أجل البقاء ​بعد مرور 1000 يوم لم تعد غزة التي نعرفها موجودة لقد طال الدمار أكثر من 90% من مباني القطاع من مخيمات وأحياء وحارات ​خيام بلا نهاية تحول مئات الآلاف من المواطنين إلى نازحين دائمين يتنقلون من نزوح إلى نزوح يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في خيام مهترئة لا تقي حرا ولا بردا وسط شح مطلق في المياه الصالحة للشرب وانعدام لأدنى مقومات الصرف الصحي ​منظومة صحية تحت الأنقاض خرجت معظم مستشفيات القطاع عن الخدمة تماما بعد استهدافها المباشر الأطباء يجرون العمليات بلا تخدير والمرضى يموتون بأمراض بسيطة لغياب الدواء وآلاف الجرحى يواجهون الموت البطيء بانتظار معجزة تفتح المعابر لعلاجهم ​ يعيش أكثر من مليون طفل في غزة حالة من سوء التغذية الحاد حيث تحولت لقمة العيش وحبة الطماطم ورغيف الخبز النظيف إلى أمنيات صعبة المنال واستشهد المئات معظمهم أطفال بسبب الجوع والعطش والجفاف ​ أجساد متعبة وأرواح مستنزفة ​الإنهاك في غزة تجاوز تعب العضلات إنه إنهاك وجودي عميق ​الناس في غزة يمشون في الشوارع كالأشباح أجساد نحلتها قلة الغذاء وعيون حائرة أرهقها السهر ترقبا لغارة قادمة وأرواح استنزفها القلق الخوف على من تبقى من العائلة ​كل تفصيل صغير في اليوم يتطلب جهدا خرافيا في البحث عن الحطب لإشعال النار والوقوف لساعات في طوابير طويلة من أجل لتر ماء غير ملوث وحمل الأمتعة البسيطة والركض بها كلما صدر أمر إخلاء جديد لقد استنزفت الـ1000 يوم المخزون النفسي والبدني للناس حتى بات البكاء ترفا لا يملكه الكثيرون ​الفقدان هو الوجع الأكبر والندبة التي لن تبرأ في جسد غزة في هذه الحرب لم يعد الفقدان فرديا بل صار جماعيا وفاضحا ​إبادة عائلات بأكملها محيت أكثر من 2700 عائلة فلسطينية بالكامل من السجل المدني لم يتبق منها جد ولا أب ولا طفل ليشهد على أنهم عاشوا يوما هنا آلاف القصص المريرة لعائلات لم ينجوا منها سوى طفل رضيع أو أب مكلوم استيقظ ليجد نفسه وحيدا في هذا العالم بعد أن كان محاطا بزوجة وأبناء أكثر من 9500 مفقود لا يزالون تحت الركام لم تتمكن الطواقم الطبية من انتشالهم ماتوا بلا تشييع وظلت أجسادهم تحت أنقاض بيوتهم مما يجعل الفقد معلقا بين أمل كاذب ويقين موجع ​المفارقة المذهلة بعد 1000 يوم أن هذا الوضع الشعبي المنكوب ورغم كل هذا الوجع والعتب الصارخ على خذلان المحيط وصمت العالم ما زال متمسكا بأرضه يرفض الانكسار أو التهجير الأطفال المحرومون من التعليم لثلاثة سنوات متتالية ما زالوا يدرسون فوق الركام ويحلمون بغد أفضل ​إن الـ1000 يوم ليست مجرد رقم إنها صرخة غزة العالية في وجه ضمير العالم الميت تذكره بأن هناك شعبا يباد على الهواء مباشرة وأنه رغم كل هذا الدمار ما زال ينبض بالكرامة التي افتقدها الكثيرون خارج حدود القطاع.

فلسطين . غزة

البوابة 24