وهم المليون متابع

وهم المليون متابع: 
المصداقية للضمير لا لعدّاد المتابعين

محمد قاروط أبو رحمه
في بورصة الفضاء الرقمي الحديث، سقطت الكثير من المجتمعات في فخ "المغالطة الرقمية"، حيث بات البعض يخلط واهماً بين حجم الانتشار وبين قيمة المحتوى، وبين الشهرة والمصداقية.

 إن الحقيقة الصادمة التي يجب أن نواجه بها الوعي الجمعي اليوم هي أن وجود مليون متابع لصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي لا يعطي الصفحة ولا مسؤولها أي مصداقية؛ فالأرقام في العالم الافتراضي تُشتري، وتُصنع عبر ركوب موجات الإثارة والابتذال التي تشجع عليها خوارزميات المنصات.

إن المصداقية هي ابنة المحتوى وليست وليدة عدّاد المتابعين. وتنقسم هذه المصداقية الحقيقية إلى ركنين أساسيين لا غنى لأحدهما عن الآخر:
أولاً: المصداقية لأهمية وقيمة المحتوى:
المحتوى الرصين هو الذي يملك وزناً معرفياً، ويقدم وثائق دقيقة، ويساهم في بناء الوعي أو حل مشكلات الواقع. 

إن صفحة يتابعها بضعة آلاف وتقدم تحليلاً قانونياً أو فكرياً موثقاً، تفوق في مصداقيتها منصات مليونية تقتات على الفضائح والشائعات السطحية.
 القيمة تُقاس بالأثر المستدام والتغيير الحقيقي الذي تتركه الفكرة في عقل المتلقي، لا بعدد النقرات العابرة.

ثانياً: المصداقية للأخلاق الضابطة للمحتوى:
هذا هو صمام الأمان والفلتر النهائي. إن التزام الكاتب أو مسؤول الصفحة بضوابط أخلاقية صارمة—كالتحقق من صدق المعلومة قبل نشرها، واحترام خصوصيات الناس، ورفض تزييف الوعي من أجل تحصيل التفاعل (الأتمتة)—هو الذي يمنحه وزناً أخلاقياً لا تهزه عواصف المنصات. الأخلاق الضابطة تعني أن يملك الصانع الشجاعة لقول الحقيقة حتى وإن كانت جافة ولا تعجب الخوارزمية، والترفع عن الكذب وإن كان يضمن انتشاراً مليونياً.
خلاصة القول 
يجب على المتلقي الواعي أن يعيد ضبط بوصلته المعرفية؛ فالأرقام الضخمة على الشاشات هي مجرد سراب رقمي صممته الآلة للاستحواذ على الانتباه. 
المصداقية الحقيقية هي موقف أخلاقي، وقيمة معرفية مترابطة، ووثيقة دامغة. وعندما يسقط وهم الأرقام، يبقى فقط المحتوى المحصن بالضمير، فهو البناء الوحيد فوق الصخر الذي لا يزول بزوال المؤثر الرقمي

البوابة 24