في وقت تتكثف فيه الاتصالات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران لتثبيت تفاهمات ما بعد الحرب في المنطقة، يتراجع حضور قطاع غزة بشكل لافت عن طاولة المفاوضات، رغم استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتفاقم الكارثة الإنسانية داخل القطاع.
هذا التراجع لا يبدو ظرفيًا، بل يعكس—وفق مراقبين—إعادة ترتيب واضحة لأولويات الأطراف الدولية، حيث تُدار ملفات الحرب من دون إدراج غزة ضمن أي تسوية سياسية جارية، وكأنها أصبحت ملفًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.
تفاهمات إقليمية تتجاوز غزة
في منتصف حزيران/يونيو، توصلت واشنطن وطهران إلى مذكرة تفاهم هدفت إلى تثبيت ترتيبات أمنية مرتبطة بتداعيات الحرب في المنطقة، وشملت وقف التصعيد في بعض الساحات، من بينها لبنان، لكنها لم تتطرق إلى مستقبل غزة أو أي صيغة لإدارتها سياسيًا أو ميدانيًا.
هذا الاستبعاد أثار تساؤلات واسعة حول موقع القطاع في الحسابات الدولية الجديدة، في ظل استمرار الحرب بشكل غير مباشر، وتعدد مسارات التفاوض دون نتائج ملموسة على الأرض.
خيبة أمل وتحولات في المواقف
وبحسب مصادر نقلتها وكالة “فرانس برس”، فإن بعض الدوائر المقربة من حركة حماس أبدت امتعاضًا من غياب غزة عن هذه التفاهمات، معتبرة أن ذلك يعكس تراجع أولوية الملف في الحسابات الإقليمية والدولية.
ويرى محللون أن هذا التطور يرتبط بتحولات أعمق في طبيعة العلاقة بين طهران وحماس، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تبعها من إعادة تقييم لأدوار الحلفاء في المنطقة.
قراءة تحليلية: تراجع الأهمية الاستراتيجية
يرى الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية هيو لوفات أن غياب غزة عن مسار التفاوض يعكس تراجع الوزن الاستراتيجي لحركة حماس في الحسابات الإيرانية، مشيرًا إلى أن القطاع “يبتعد تدريجيًا عن مركز الاهتمام الدولي”.
ويضيف أن التحولات الجارية لا تتعلق بغزة وحدها، بل بإعادة صياغة أولويات النفوذ الإقليمي، حيث تُدار الملفات الحساسة وفق مقاربات مرحلية لا تتجه نحو حلول نهائية.
موقف دبلوماسي: ملف بلا أفق قريب
دبلوماسيون مشاركون في مسارات التفاوض يرون أن ملف غزة بات من أعقد الملفات وأكثرها تعقيدًا، إلى درجة وصفه بأنه غير قابل للحسم في المدى القريب أو المتوسط، بسبب تشابك الاعتبارات الأمنية والسياسية وغياب إطار واضح لإدارة المرحلة المقبلة.
دبلوماسي غربي في القدس قال إن استبعاد غزة من الاتفاقات الأخيرة لا يعكس تقدمًا سياسيًا بقدر ما يعكس حالة جمود، مشيرًا إلى غياب رؤية مشتركة حول “اليوم التالي” للحرب.
الميدان يشتعل رغم التهدئة الهشة
على الأرض، يواصل الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ غارات شبه يومية على قطاع غزة، مع استمرار سيطرته على مساحات واسعة من القطاع، وسط دمار متواصل وسقوط ضحايا بشكل يومي، رغم الحديث عن وقف إطلاق نار هش لم ينجح في وقف العمليات بشكل كامل.
وتتفاقم الأزمة الإنسانية مع تراجع الخدمات الأساسية ونقص الإمدادات، ما يجعل الواقع الميداني أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
شروط متبادلة وتعطيل سياسي
تتمسك إسرائيل بشرط نزع سلاح حركة حماس بالكامل قبل الدخول في أي مسار سياسي، بينما تربط الحركة أي نقاش بضمانات سياسية تتعلق بمستقبل الحكم في القطاع ووجود جهة بديلة لإدارته.
هذا التباين العميق يساهم في إبقاء غزة خارج أي صيغة تسوية ناضجة حتى اللحظة.
مسارات خلف الكواليس بلا نتائج
رغم الجمود العلني، تشير مصادر دبلوماسية إلى استمرار محاولات صياغة تصور سياسي جديد لغزة عبر اجتماعات عقدت في القاهرة بمشاركة أطراف فلسطينية وإقليمية، إلى جانب شخصيات دولية، من بينها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عبر مبادرات مرتبطة بما يُعرف بـ”مجلس السلام”.
وبحسب هذه المصادر، فإن النقاشات تدور حول أفكار لمرحلة انتقالية تشمل ترتيبات أمنية وإدارية، دون أن تتحول حتى الآن إلى خطة تنفيذية واضحة.
في المحصلة، تبدو غزة اليوم خارج معادلات التسوية الكبرى بين واشنطن وطهران، بينما تستمر الحرب على الأرض بلا أفق سياسي واضح.
وبينما يرى بعض الدبلوماسيين أن هذا الاستبعاد قد يكون مؤقتًا، يشير آخرون إلى أنه يعكس تحولًا أعمق في بنية الصراع، حيث تُدار الملفات الإقليمية على أساس تجزئة الحلول بدلًا من الحل الشامل، ما يترك غزة في مساحة رمادية مفتوحة على مزيد من التعقيد.
