بقلم: موسى الصفدي
لم تكن الاتحادات والمنظمات الشعبية الفلسطينية، منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، مجرد أطر نقابية أو اجتماعية، بل كانت جزءاً أصيلاً من المشروع الوطني الذي قادته منظمة التحرير الفلسطينية. فمن خلالها وصل الصوت الفلسطيني إلى الجامعات والنقابات والبرلمانات والمنظمات الدولية، وأسهمت في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز حضور القضية الفلسطينية في مختلف المحافل. لقد أدركت القيادة الفلسطينية مبكراً أن النضال الوطني لا يقتصر على العمل السياسي أو الكفاح المسلح، بل يحتاج أيضاً إلى مؤسسات جماهيرية قادرة على تنظيم المجتمع الفلسطيني والدفاع عن مصالحه، لذلك نشأت اتحادات الطلبة والعمال والمرأة والمعلمين والمهندسين والأطباء والكتاب والصحفيين، لتكون شريكاً حقيقياً في بناء الحركة الوطنية الفلسطينية.
غير أن التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها العقود الأخيرة، وما رافقها من تراجع في انتظام الحياة التنظيمية، أدت إلى إضعاف كثير من هذه المؤسسات، فتراجع حضور بعضها، وغابت الانتخابات الدورية عن عدد منها، وأصبحت العضوية في حالات كثيرة مرتبطة بالتعيين أو التوافقات أكثر من ارتباطها بالقاعدة الجماهيرية التي يفترض أن تمثلها. وفي الساحة السورية تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحاً. فقد تغيرت البنية الديموغرافية للمجتمع الفلسطيني بفعل الحرب والهجرة واللجوء، وظهرت أجيال جديدة تحمل طاقات علمية ومهنية كبيرة، لكنها لم تجد دائماً الطريق إلى مؤسساتها الوطنية.
ونتيجة لذلك، اتسعت الفجوة بين المؤسسات الشعبية والقاعدة الاجتماعية التي يفترض أن تعبر عنها. إن أي مشروع لإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية لا يمكن أن يكتمل دون إعادة بناء الاتحادات الشعبية على أسس ديمقراطية ومهنية. فالانتخابات الدورية، وشفافية العضوية، وتجديد القيادات، وإشراك الشباب والمرأة، ليست مطالب تنظيمية فحسب، بل هي شروط أساسية لاستعادة ثقة الفلسطينيين بمؤسساتهم الوطنية. كما أن هذه الاتحادات ينبغي أن تتحول إلى مراكز إنتاج للأفكار والسياسات، لا أن يقتصر دورها على النشاطات البروتوكولية. فالاتحاد المهني الناجح هو الذي يدافع عن حقوق منتسبيه، ويقدم الدراسات والمبادرات، ويسهم في صياغة السياسات الوطنية، ويؤهل الكفاءات الفلسطينية لتكون شريكاً في بناء الدولة الفلسطينية المنشودة.
ولا يقل أهمية عن ذلك ضرورة الفصل بين الانتماء السياسي والكفاءة المهنية. فالانتماء الوطني يبقى قيمة أساسية، لكن إدارة المؤسسات الشعبية تتطلب أيضاً الخبرة والقدرة على الإنجاز. وعندما تصبح الكفاءة معياراً رئيسياً إلى جانب الالتزام الوطني، فإن المؤسسات ستكون أكثر قدرة على خدمة المجتمع الفلسطيني وتعزيز مكانة منظمة التحرير. لقد أثبتت التجارب العالمية أن المؤسسات الجماهيرية القوية تشكل سنداً حقيقياً للمؤسسات السياسية، لأنها تمنحها عمقاً مجتمعياً، وتوفر لها قيادات جديدة، وتفتح المجال أمام المشاركة الواسعة في صناعة القرار. وهذا ما تحتاج إليه منظمة التحرير الفلسطينية اليوم، وهي تواجه تحديات غير مسبوقة تستهدف تمثيلها ودورها الوطني. إن تجديد الاتحادات الشعبية يمثل ضرورة وطنية.
فالمؤسسات التي لا تتجدد تضعف، بينما المؤسسات التي تفتح أبوابها أمام الأجيال الجديدة تستعيد حيويتها وقدرتها على العطاء. ومن هنا، فإن إطلاق ورشة إصلاح شاملة للاتحادات والمنظمات الشعبية، وخاصة في ساحات الشتات، يجب أن يكون جزءاً من مشروع وطني متكامل لتطوير منظمة التحرير الفلسطينية. إن قوة منظمة التحرير لم تكن يوماً في مؤسساتها السياسية وحدها، بل في قدرتها على تمثيل المجتمع الفلسطيني بكل مكوناته. واستعادة هذا الدور تتطلب إعادة الاعتبار للاتحادات الشعبية، بوصفها مدارس للعمل الوطني، وحواضن للكفاءات، وجسوراً تربط المؤسسة الوطنية بأبناء شعبها في كل مكان. إن بناء المستقبل يبدأ من بناء المؤسسات، والمؤسسات لا تبنى إلا بالمشاركة، والشفافية، والمساءلة، وتجديد الدماء، حتى تبقى منظمة التحرير الفلسطينية قادرة على حمل الأمانة الوطنية، وصون وحدة الشعب الفلسطيني، وقيادة نضاله نحو الحرية والاستقلال.
