هل تعيد إسرائيل رسم خريطة رفح تمهيدا للاستيلاء الكامل عليها؟

بقلم: نيفين إسليم

 ما يحدث في مدينة رفح خلال الأشهر الأخيرة يدفعني إلى طرح العديد من علامات الاستفهام. فمن وجهة نظري، لم تعد التحركات الإسرائيلية على الأرض مجرد إجراءات عسكرية مرتبطة بالحرب، بل تبدو وكأنها خطوات متدرجة ومدروسة لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي للمدينة. من بين أكثر المشاهد التي لفتت انتباه إنشاء بوابة حديدية على ساحل رفح، وقبلها بأسابيع إنشاء بوابة أخرى في منطقة الشاكوش. قد يراها البعض مجرد منشآت أمنية، لكنني أراها، في سياق ما يجري على الأرض، جزءًا من مشهد أكبر لا يمكن عزله عن بقية التطورات. قراءة المشهد بصورة شاملة تجعلني أعتقد أن رفح تتعرض لعملية تطويق تدريجية من مختلف الاتجاهات، بحيث تصبح السيطرة عليها كاملة، ليس فقط عسكريا، وإنما إداريا وجغرافيا أيضا. فعندما يتم التحكم بمداخل المدينة ومخارجها، والحدود البرية، والساحل، والمناطق المحيطة بها، فإن ذلك يفرض واقعا جديدا قد يصعب تغييره مستقبلا. ومن وجهة نظري، فإن أخطر ما في الأمر ليس البوابات بحد ذاتها، وإنما ما قد تمهد له هذه الإجراءات. فالتاريخ يعلمنا أن التغييرات الميدانية التي تستمر لفترة طويلة تتحول في كثير من الأحيان إلى أمر واقع، ثم تبدأ مرحلة البناء فوق هذا الواقع سياسيا وإداريا. ولا أخفي أنني أرى احتمالا بأن تكون هذه الخطوات تمهيدا للاستيلاء الكامل على مدينة رفح، خاصة بعد الدمار الهائل الذي طالها، وتهجير معظم سكانها، ومنع الكثير منهم من العودة إلى منازلهم. فالمدينة اليوم تكاد تكون خالية من سكانها الأصليين، وهو ما يثير مخاوف جدية من استغلال هذا الواقع لفرض مشاريع جديدة. كما أرى أن احتمالية إنشاء مستعمرات جديدة في رفح أو في محيطها لم تعد فكرة بعيدة عن النقاش، بل أصبحت، بالنسبة لي، احتمالا يستحق التوقف عنده. فوجود مساحات واسعة مدمرة، مع استمرار السيطرة العسكرية، قد يوفر الظروف لفرض مشاريع استيطانية إذا لم يكن هناك ضغط دولي يمنع ذلك. ومن الأمور التي تستحق المتابعة أيضا، أن إنشاء بوابة على ساحل رفح يدفعني للتساؤل: هل يمكن أن يكون هناك تفكير مستقبلي بإيجاد منفذ أو معبر يرتبط بالبحر بين رفح ومصر؟ لا أملك دليلا على ذلك، ولا أدعي أنه مشروع قائم، لكنه يبقى أحد السيناريوهات التي تطرح نفسها عند قراءة المشهد الميداني الحالي، خاصة مع التحولات غير المسبوقة التي تشهدها المنطقة. إن ما يزيد من قلقي هو أن هذه الإجراءات لا تبدو منفصلة عن بعضها البعض، بل تبدو وكأنها حلقات في سلسلة واحدة؛ تدمير واسع، تهجير للسكان، منع العودة، إنشاء نقاط وبوابات جديدة، إحكام السيطرة على المناطق الحيوية، ثم فرض واقع جديد قد يصبح مع مرور الوقت أمرا يصعب التراجع عنه. قد يختلف البعض مع هذا التحليل، وقد يراه آخرون مبالغا فيه، لكنني أؤمن بأن قراءة المؤشرات المبكرة ضرورة وليست ترفا. فالتاريخ أثبت أن كثيرا من التحولات الكبرى بدأت بخطوات صغيرة لم يلتفت إليها أحد في بدايتها. وفي النهاية، أؤكد أن ما ورد في هذا المقال هو تحليل شخصي وقراءة خاصة للمشهد استنادا إلى ما أتابعه من تطورات ميدانية، وليس استنادا إلى معلومات رسمية أو وثائق تؤكد هذه الاستنتاجات. لكن ما أراه على الأرض يجعلني أخشى أن تكون رفح أمام مرحلة جديدة، لا تتعلق بالحرب وحدها، بل بإعادة رسم مستقبل المدينة بالكامل، بما يحمله ذلك من مخاطر على هويتها الفلسطينية، وحق أهلها في العودة إليها، ومستقبلها الجغرافي .

البوابة 24