بقلم: المحامي علي أبو حبلة
ليس كل ما يلمع ذهباً، وليس كل من تحدث عن الإنجاز كان من صانعيه. فالتاريخ، منذ فجر الحضارات، علمنا أن الأوطان لا تنهض بالخطب الرنانة، ولا بالاستعراض الإعلامي، ولا بتضخم الأنا، وإنما ترتقي بالعقول التي تُفكر، والسواعد التي تعمل، والضمائر التي تؤمن بأن خدمة الوطن شرف لا وسيلة للوجاهة أو النفوذ. في زمن اختلطت فيه الحقائق بالأوهام، وأصبحت وسائل الاتصال قادرة على صناعة بطولات افتراضية، بات من الضروري إعادة تعريف مفهوم الإنجاز. فالإنجاز ليس ما يقال عنه، بل ما يبقى أثره بعد أن يصمت الجميع. إنه قيمة تاريخية تتجسد في بناء مؤسسة، أو حماية حق، أو إنقاذ اقتصاد، أو غرس علم، أو ترسيخ عدالة، أو صناعة أمل في نفوس الناس. يقول ابن خلدون في مقدمته: "الظلم مؤذن بخراب العمران." ولم يكن يقصد الظلم السياسي وحده، بل كل ممارسة تُهدر الكفاءة، وتمنح التقدير لمن لا يستحق، أو تجعل المظاهر بديلاً عن العمل. فالعمران لا يقوم بالادعاء، وإنما بالعدل، والإنتاج، وإعلاء قيمة الإنسان المنتج. أما الفيلسوف اليوناني أرسطو، فقد رأى أن "الفضيلة تتحقق بالفعل المتكرر، لا بالادعاء." ولذلك فإن الإنجاز الحقيقي ليس حدثاً عابراً، بل سلوكاً مستداماً، والتزاماً أخلاقياً تجاه المجتمع. وما أكثر الذين يتحدثون عن الوطنية، وما أقل الذين يدفعون ثمنها جهداً وتضحية وإخلاصاً. ويذهب فولتير إلى القول: "قيمة الإنسان فيما يقدمه، لا فيما يملكه." وهي مقولة تختصر فلسفة العطاء الحقيقي، لأن الإنسان لا يُخلد بما جمع من مكاسب، بل بما تركه من أثر نافع في وطنه ومجتمعه. ولهذا بقيت أسماء العظماء حية في ذاكرة الأمم، بينما طواها النسيان لأنها لم تكن سوى ضجيج بلا أثر. ولعل أبلغ ما قاله المهاتما غاندي: "إن أفضل وسيلة لتجد نفسك هي أن تكرسها لخدمة الآخرين." فالوطن لا يحتاج إلى من يرفع الشعارات، بقدر حاجته إلى من يترجمها إلى مشاريع وإنجازات وسياسات تصنع الفارق في حياة المواطنين. إن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس غياب الإنجاز، بل تضخيم الإنجازات الشخصية أو الوهمية حتى تصبح بديلاً عن الإنجاز الوطني الحقيقي. فعندما تتحول المناصب إلى منصات للتسويق الذاتي، ويصبح التصفيق معيار النجاح، تفقد المؤسسات رسالتها، ويتراجع معيار الكفاءة أمام ثقافة الترويج والاستعراض. لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي صنعت مجدها لم تفعل ذلك عبر صناعة الأبطال الوهميين، وإنما عبر بناء الإنسان والمؤسسات. فاليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وألمانيا بعد الدمار، لم تنهضا بالخطب ولا بالدعاية، بل بثقافة العمل والانضباط والإنتاج، وبإيمان راسخ بأن الوطن أكبر من الأفراد، وأن الإنجاز الحقيقي هو ما يبقى للأجيال، لا ما يحقق مكسباً آنياً لصاحبه. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مسؤول، وكل صاحب قرار، وكل من يتصدر المشهد العام: ماذا سيبقى بعد أن نغادر مواقعنا؟ فإن كان الجواب مؤسسة أقوى، واقتصاداً أكثر متانة، وعدالة أوسع، وإنساناً أكثر كرامة، فذلك هو الإنجاز. أما إذا لم يبقَ سوى الصور والخطب والمنشورات، فإن التاريخ لن يسجل سوى صفحة عابرة في سجل النسيان. إن الأوطان لا تبحث عن أبطال من ورق، ولا عن صناع ضجيج، بل عن رجال ونساء يؤمنون بأن العطاء مسؤولية، وأن المنصب تكليف لا تشريف، وأن التاريخ لا يكتب أسماء من أكثروا الكلام، بل أسماء من صنعوا الفرق. وربنا يعينك يا وطن... فما أحوجك اليوم إلى عطاءٍ صادق، وإنجازٍ متجرد، ورجالٍ يعملون بصمت، لأنهم يدركون أن أعظم الإنجازات هي تلك التي يتحدث عنها الوطن، لا أصحابها.
