يستمر الباحثون في البحث عن وسائل جديدة للتخفيف من الصداع النصفي بعيدا عن العلاجات الدوائية التقليدية، في ظل إصابة ملايين الأشخاص بهذا الاضطراب العصبي الذي يؤثر بشكل كبير في جودة الحياة والقدرة على ممارسة الأنشطة اليومية.
علاج الصداع النصفي
وفي هذا الإطار، نجح باحثون من البرازيل في التوصل إلى أن تحفيز مناطق محددة في الأذن باستخدام الوخز بالإبر قد يساهم في تخفيف آلام الصداع النصفي، وهو ما يعزز الاهتمام بهذا الأسلوب باعتباره علاجا مكملا إلى جانب الأدوية.
والصداع النصفي هو نوبات متكررة من الألم الشديد، وغالبا ما تكون مصحوبة بالغثيان أو القيء، إضافة إلى حساسية زائدة تجاه الضوء والأصوات.
وعلى الرغم من وجود العديد من الأدوية المخصصة لعلاج الصداع النصفي، فإن عددا كبيرا من المرضى يضطرون إلى تجربة أكثر من علاج قبل الوصول إلى الدواء المناسب، كما أن بعض هذه العلاجات قد يرتبط بآثار جانبية عند استخدامها لفترات طويلة.
كما ركز الباحثون في دراستهم على الوخز بالإبر، وهو أحد أساليب الطب الصيني التقليدي الذي يقوم على إدخال إبر دقيقة في نقاط معينة من الجسم، مع التركيز على أسلوب يعرف باسم "العلاج الأذني"، الذي يستهدف الجزء الخارجي من الأذن.

نتائج الدراسة
والجدير بالإشارة أن الدراسة قد شملت 68 امرأة مصابة بالصداع النصفي، جرى تقسيمهن إلى مجموعتين، حيث تلقت المجموعة الأولى جلسات علاج أذني، بينما خضعت المجموعة الثانية لعلاج وهمي تضمن أيضا تحفيز الأذن.
وتلقت جميع المشاركات جلسة واحدة أسبوعيا على مدار ثمانية أسابيع.
وقام الباحثون بتقييم شدة الألم والأعراض المصاحبة قبل بدء العلاج، وبعد انتهاء الجلسات، ثم بعد مرور 30 يوما.
وكشفت النتائج أن النساء اللاتي خضعن للعلاج الأذني سجلن انخفاضا في شدة الألم مباشرة بعد انتهاء الجلسات واستمر هذا التحسن بعد شهر من انتهاء العلاج، كما انخفض متوسط درجات الألم من 50.5 إلى 44.7 عقب العلاج، ثم إلى 41 بعد مرور 30 يوما، بما يعادل انخفاضا بنسبة 11% بعد انتهاء الجلسات مباشرة و18% بعد شهر.
وإلى ذلك، سجلت المشاركات تحسنا تراوح بين 8% و10% في مؤشرات جودة الحياة.
وفي المقابل، بينت المجموعة التي تلقت العلاج الوهمي تحسنا مماثلا، ولم تكن الفروق بين المجموعتين ذات دلالة إحصائية، وهو ما يشير إلى أن تحفيز الأذن بحد ذاته قد يسهم في تخفيف آلام الصداع النصفي، وليس العلاج الأذني وحده.

تفسير الباحثين
ومن جهتها، قالت فرناندا بيلا، الباحثة الرئيسية في الدراسة وأخصائية العلاج الطبيعي في مختبر علم الأعصاب التجريبي بجامعة جنوب سانتا كاتارينا في البرازيل، إن التحسن الذي ظهر لدى المجموعتين قد يشير إلى أن تحفيز الأذن، حتى عند عدم استهداف نقاط محددة، يمكن أن يؤثر في آليات الإحساس بالألم.
كما سجل الباحثون ارتفاعا في مستويات الأكسجين داخل قشرة الفص الجبهي، وهي منطقة في الدماغ تشارك في معالجة الألم، ويعتقد أن انخفاض مستويات الأكسجين فيها يرتبط بزيادة شدة أعراض الصداع النصفي.
وأشارت "بيلا"، إلى أن هذه النتائج تبرز إمكانية متابعة التغيرات التي تطرأ على نشاط الدماغ لدى المصابات بالصداع النصفي المزمن، وهو ما قد يسهم في فهم كيفية تأثير هذا النوع من العلاج.
وقد تم عرض نتائج الدراسة خلال منتدى اتحاد جمعيات علم الأعصاب الأوروبية (FENS)، لكنها لم تنشر حتى الآن في مجلة علمية محكمة، ما يعني أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من المراجعة العلمية والتقييم.
دراسات سابقة
وفي السياق ذاته، تتوافق هذه النتائج مع أبحاث سابقة أشارت إلى فوائد محتملة لتحفيز الأذن في علاج الصداع النصفي. فقد أظهرت مراجعة علمية نُشرت عام 2025، وشملت عشر دراسات ونحو 800 مريض، أن الوخز بالإبر في الأذن ارتبط بانخفاض عدد نوبات الصداع وتراجع شدتها، كما أصبحت النوبات أقصر لدى بعض المرضى.
وخلال دراسة أخرى، أدى تحفيز العصب المبهم عبر الجلد، من خلال إرسال نبضات كهربائية خفيفة إلى جزء من العصب يمر عبر الأذن، إلى تحسن أعراض الصداع النصفي لدى 59 مريضا.
ويشير "الخبراء" إلى أن الأذن تحتوي على فروع من العصب ثلاثي التوائم المسؤول عن نقل الإحساس من الرأس والوجه إلى الدماغ، لذلك فإن تحفيز هذه الأعصاب قد يساعد في تنظيم النواقل العصبية، وتحفيز إفراز المسكنات الطبيعية، وتقليل الالتهاب المرتبط بالصداع النصفي.
كما يعتبر الوخز بالإبر من الوسائل العلاجية التي ترتبط بآثار جانبية محدودة، وغالبا ما تقتصر على الشعور بألم بسيط أو حدوث نزيف خفيف أو كدمات في موضع الإبر، وقد يعاني بعض المرضى من الدوار أو الإرهاق لفترة قصيرة.
ويخطط فريق البحث لإجراء دراسات أوسع تشمل عددا أكبر من النساء، في ظل ارتفاع معدلات الإصابة بالصداع النصفي بين النساء إلى ثلاثة أضعاف مقارنة بالرجال، وهو ما يعتقد الباحثون أن للهرمونات، ومن بينها هرمون الإستروجين، دورا في حدوثه.
