من التمثيل الفصائلي إلى التمثيل المجتمعي هل آن الأوان لتطوير فلسفة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني؟
بقلم: موسى الصفدي
لم يكن المجلس الوطني الفلسطيني، منذ تأسيسه عام 1964، مجرد هيئة تشريعية بالمعنى التقليدي، بل كان التجسيد السياسي لوحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، والإطار الذي حافظ على الهوية الوطنية في مواجهة محاولات التذويب والإلغاء. ومن خلاله استطاعت منظمة التحرير الفلسطينية أن تؤكد أنها ليست ائتلافاً بين الفصائل فحسب، وإنما الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بكل فئاته وأماكن وجوده. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد أكثر من ستة عقود على تأسيس المجلس، ليس حول شرعية وجوده، وإنما حول مدى قدرة آليات تشكيله الحالية على التعبير عن التحولات الكبرى التي طرأت على المجتمع الفلسطيني، ولا سيما في ساحات الشتات. لقد أدت الفصائل الفلسطينية دوراً تاريخياً لا يمكن إنكاره في حماية المشروع الوطني، وقدمت تضحيات جساماً من أجل بقاء منظمة التحرير الفلسطينية إطاراً جامعاً للشعب الفلسطيني. ولذلك فإن أي حديث عن تطوير المجلس الوطني لا يجوز أن يُفهم باعتباره انتقاصاً من مكانة الفصائل، بل هو دعوة إلى تطوير أدواتها وتعزيز دورها من خلال توسيع قاعدة المشاركة الوطنية. لقد كان التمثيل الفصائلي، في مراحل الثورة الأولى، ضرورة فرضتها ظروف الكفاح الوطني، إذ كانت الفصائل هي الإطار الأكثر تنظيماً وقدرة على التعبئة. لكن المجتمع الفلسطيني اليوم أصبح أكثر تنوعاً وتعقيداً. فهناك عشرات الآلاف من الأكاديميين، والأطباء، والمهندسين، والمحامين، والباحثين، ورجال الأعمال، والكتاب، والفنانين، ورواد التكنولوجيا، والناشطين في العمل الاجتماعي، إلى جانب أجيال كاملة من الشباب والنساء، وهؤلاء جميعاً يشكلون جزءاً أصيلاً من القوة الوطنية الفلسطينية. ومن هنا، فإن مفهوم التمثيل يحتاج إلى مراجعة. فالفصائل تمثل تيارات سياسية، لكنها لا تستوعب وحدها كل مكونات المجتمع. ولذلك فإن المجلس الوطني، إذا أراد أن يعكس حقيقة الشعب الفلسطيني، ينبغي أن يجمع بين التمثيل السياسي والتمثيل المجتمعي، بحيث تصبح الفصائل أحد أعمدته، إلى جانب الاتحادات المهنية، والمؤسسات الأكاديمية، والقطاعات الاقتصادية، والشخصيات الوطنية المستقلة، ومنظمات المجتمع الأهلي. إن هذا التصور لا يتعارض مع النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي يؤكد أن المجلس الوطني يمثل الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده، بل ينسجم مع روحه، لأن المقصود بالتمثيل هو تمثيل الشعب بكل مكوناته، وليس الاقتصار على البنية التنظيمية التي كانت سائدة في مرحلة تاريخية معينة. وفي الساحة السورية، تبرز هذه الحاجة كضرورة و بصورة أوضح. فقد تغير المجتمع الفلسطيني بفعل سنوات الحرب والهجرة، وظهرت كفاءات علمية ومهنية جديدة، فيما تراجعت أدوار بعض الأطر التقليدية. ومع ذلك، لم تنعكس هذه التحولات بصورة كافية على تركيبة المؤسسات الوطنية، الأمر الذي أوجد فجوة بين المجتمع وممثليه، وأضعف شعور قطاعات واسعة بأنها شريك حقيقي في صناعة القرار. ولا شك أن إجراء انتخابات مباشرة في جميع ساحات الشتات قد يواجه عقبات قانونية وسياسية وأمنية، لكن ذلك لا يعني الاستسلام للأمر الواقع. كما أن من الضروري إعادة الاعتبار للاتحادات الشعبية والمهنية، بحيث تستعيد دورها الحقيقي في اختيار ممثليها وفق انتخابات دورية، لأن هذه الاتحادات كانت تاريخياً إحدى أهم روافد المجلس الوطني، وأسهمت في إبقاء منظمة التحرير على تماس مباشر مع المجتمع الفلسطيني. إن الإصلاح الحقيقي لا يعني هدم البناء القائم، وإنما تطويره. فلا أحد يدعو إلى إلغاء دور الفصائل، لكن المرحلة الراهنة تتطلب توسيع قاعدة الشراكة، بحيث يشعر كل فلسطيني، مهما كان موقعه أو اختصاصه، أن له مكاناً في المؤسسة الوطنية إذا امتلك الكفاءة والإرادة والعطاء. لقد واجهت منظمة التحرير الفلسطينية طوال تاريخها محاولات لتهميشها أو تجاوزها، لكنها بقيت صامدة لأنها كانت قادرة على استيعاب التحولات وتجديد نفسها. واليوم، فإن أكبر ضمانة لاستمرارها ليست الاكتفاء بشرعيتها التاريخية، بل الجمع بين هذه الشرعية وبين شرعية المشاركة الشعبية الواسعة. إن تطوير فلسفة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني هو استثمار في مستقبل منظمة التحرير، وليس مراجعة لماضيها. وهو خطوة تعزز وحدتها الداخلية، وتمنحها طاقات جديدة، وتجعلها أكثر قدرة على مخاطبة الأجيال الفلسطينية الصاعدة في الوطن والشتات. فالقضية الفلسطينية لا تحتاج فقط إلى الدفاع عن مؤسساتها، بل تحتاج أيضاً إلى تطويرها باستمرار، حتى تبقى منظمة التحرير الفلسطينية البيت الوطني الجامع، والقادرة على قيادة شعبها بثقة واقتدار في مواجهة تحديات الحاضر وصناعة مستقبل الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
