من الوعي الوطني إلى تعدد المرجعيات

من الوعي الوطني إلى تعدد المرجعيات كيف أثرت التحولات الإقليمية والدولية في الخطاب الوطني الفلسطيني؟

بقلم: موسى نافذ الصفدي

لم تتراجع مكانة الوعي الوطني الفلسطيني بفعل الزمن وحده، ولم يكن ذلك نتيجة ضعفٍ ذاتي فقط، بل جاء في سياق تحولات إقليمية ودولية عميقة أعادت تشكيل البيئة السياسية التي تحركت فيها القضية الفلسطينية منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي. لقد تأسس المشروع الوطني الفلسطيني على فكرة مركزية مفادها أن الشعب الفلسطيني، أينما وجد، يشكل وحدة سياسية واحدة، وأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الإطار الجامع الذي يصون الهوية الوطنية ويقود النضال من أجل الحرية والاستقلال.

وكانت هذه الفكرة، طوال سنوات الثورة الفلسطينية، تمثل القاسم المشترك الذي التف حوله الفلسطينيون رغم اختلافاتهم الفكرية والتنظيمية. إلا أن نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، ثم حرب الخليج الثانية، أدت إلى تبدل عميق في موازين القوى الدولية والإقليمية. ولم تعد حركات التحرر الوطني تحظى بالمساندة السياسية نفسها التي كانت تتمتع بها خلال العقود السابقة، كما انشغلت الدول العربية بأزماتها الداخلية وصراعاتها البينية، فتراجع الحضور العربي الموحد الداعم للقضية الفلسطينية.

وفي الداخل الفلسطيني، فرض قيام السلطة الوطنية الفلسطينية واقعاً سياسياً جديداً. فقد أوجد مؤسسات وطنية لإدارة شؤون الفلسطينيين في أجزاء من الأرض المحتلة، لكنه في الوقت ذاته نقل جانباً كبيراً من العمل الوطني من منطق الثورة إلى منطق الإدارة اليومية، وهو تحول طبيعي في أي تجربة انتقالية، لكنه احتاج إلى رؤية سياسية تحافظ على التوازن بين متطلبات الإدارة والثوابت الوطنية. ثم جاء الانقسام الفلسطيني عام 2007 ليشكل واحدة من أخطر المحطات في التاريخ الوطني المعاصر.

فقد أصبح الفلسطينيون أمام سلطتين وخطابين سياسيين متوازيين، وانعكس ذلك على المجتمع الفلسطيني وعلى الأجيال الجديدة التي بدأت تتلقى روايات وطنية مختلفة حول الأولويات والوسائل، الأمر الذي أضعف وحدة الخطاب الوطني، وأتاح للاحتلال استثمار حالة الانقسام لتعميق سياساته على الأرض. كما لعبت التحولات الإقليمية دوراً إضافياً في هذا المسار، إذ سعت قوى مختلفة إلى توظيف الساحة الفلسطينية ضمن مشاريعها السياسية، الأمر الذي جعل بعض الفصائل أو الشخصيات أقرب إلى حسابات المحاور الإقليمية من قربها إلى برنامج وطني جامع. وقد أثبتت التجربة التاريخية أن القضية الفلسطينية كانت دائماً أكثر قوة عندما حافظت على استقلالية قرارها الوطني، وأكثر عرضة للتراجع كلما أصبحت جزءاً من صراعات الآخرين.

وفي المقابل، لم تتوقف إسرائيل عن استثمار هذه المتغيرات. فقد واصلت توسيع الاستيطان، والعمل على تغيير الوقائع في القدس، وإضعاف فرص التسوية السياسية، مستفيدة من الانقسام الفلسطيني، ومن تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية مقارنة بأزمات دولية أخرى. ورغم هذه التحديات، فإن التجربة الفلسطينية تقدم درساً مهماً، وهو أن الأزمات مهما طالت لا تلغي الثوابت الوطنية. فالهوية الفلسطينية بقيت حية لأنها تأسست على مؤسسات وطنية، وعلى ذاكرة جماعية، وعلى ارتباط ملايين الفلسطينيين بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الجامع الذي اكتسب شرعيته من نضال الشعب الفلسطيني واعتراف المجتمعين العربي والدولي بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني.

إن استعادة الوعي الوطني اليوم لا تتحقق بإحياء شعارات الماضي كما هي، ولا بإنكار التحولات التي فرضها الواقع، وإنما بإعادة بناء ثقافة وطنية تجمع بين الثبات على الحقوق الوطنية، والقدرة على تطوير أدوات العمل السياسي بما يخدم تلك الحقوق. كما أن تجديد مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتوسيع المشاركة الديمقراطية فيها، وإشراك الطاقات الشابة والكفاءات الفلسطينية في الوطن والشتات، يمثل مدخلاً أساسياً لاستعادة الثقة بالمشروع الوطني، وتجديد حضوره في وجدان الأجيال الجديدة.

لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي تمتلك مرجعية وطنية موحدة تكون أكثر قدرة على مواجهة الاحتلال والتحديات الخارجية، بينما تؤدي تعدد المرجعيات وتغليب الانتماءات الفئوية أو الإقليمية إلى إضعاف الموقف الوطني وإهدار عناصر القوة. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار لمدرسة الوعي الوطني الفلسطيني ليست دعوة للعودة إلى الماضي، بل دعوة للتمسك بالقيم التي صنعت قوة المشروع الوطني: وحدة الشعب، ووحدة التمثيل، واستقلال القرار الوطني، واحترام التعددية داخل إطار المؤسسة الوطنية الجامعة. فهذه المبادئ كانت أساس صمود القضية الفلسطينية، وهي تبقى اليوم شرطاً ضرورياً لأي مشروع وطني يسعى إلى تحقيق الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

البوابة 24