أثيرت موجة كبيرة من الجدل عقب تداول تقرير نشره موقع "واللا" الإسرائيلي والذي زعم فيه أن الكشف الأثري الذي أعلنت عنه وزارة السياحة والآثار المصرية مؤخرًا يتعلق بمستوطنة قديمة في مصر تعود إلى فترة الهكسوس، وربطها بما وصفه بأنه الخلفية التاريخية المحتملة لوجود بني إسرائيل في مصر، في حين فند خبير أثري مصري هذه الادعاءات، مؤكدًا أنها تفتقر إلى الأساس العلمي والتاريخي.
مزاعم إسرائيلية حول الكشف الأثري
وكان موقع "واللا" الإسرائيلي، المعروف بتوجهه اليميني، قد أدعى أن علماء آثار عثروا في مصر على مساكن ومقابر وقطع أثرية تعود إلى فترة الهكسوس، التي تمتد بين عامي 1650 و1550 قبل الميلاد، وهي الفترة التي يربطها بعض الباحثين بالخلفية المحتملة لقصة بني إسرائيل في مصر.
وأوضح "الموقع العبري"، أن الاكتشاف يعود إلى مستوطنة أثرية ترجع إلى عصر الانتقال الثاني في التاريخ المصري، وهي مرحلة أثارت منذ سنوات نقاشات بين عدد من الباحثين بشأن علاقتها بالروايات الواردة في التوراة حول خروج بني إسرائيل من مصر.
ولفت "الموقع"، إلى أن المستوطنة اكتشفت في موقع "تل الكوع" بمنطقة وادي الطميلات، وهو ممر تاريخي يربط شرق دلتا النيل بالحدود الشرقية لمصر.
وفي السياق ذاته، زعم "الموقع" بأن وزارة السياحة والآثار المصرية أعلنت أن أعمال التنقيب أسفرت عن اكتشاف مقابر تعود إلى الأسرة الخامسة عشرة، المعروفة أيضًا باسم أسرة الهكسوس الأولى، إلى جانب أدلة تؤكد استمرار الاستيطان بالموقع خلال عصر الأسرة الثامنة عشرة، وهي الفترة التي شهدت نهاية حكم الهكسوس وبداية عصر الدولة المصرية الحديثة.
وأضاف "الموقع" أن مثل هذه الطروحات الأثرية والسياسية تتكرر في وسائل الإعلام الإسرائيلية، حيث تحاول بعض الدوائر الأكاديمية والإعلامية الربط بين الاكتشافات الأثرية في دلتا النيل وشبه جزيرة سيناء والنصوص التوراتية، في إطار دعم الرواية التاريخية الإسرائيلية.
خبير أثري مصري يفند الادعاءات
ومن جانبه، نفى الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار المصرية، صحة المزاعم التي نشرها الموقع الإسرائيلي، مؤكدًا أن الكشف الأثري في منطقة "تل الكوع" التابعة لمحافظة الإسماعيلية يرتبط بفترة وجود الهكسوس، ولا علاقة له بما أثير بشأن بني إسرائيل.
وأكد "شاكر"، أن الهكسوس كانوا مجموعات من القبائل البدوية التي استوطنت مناطق في فلسطين وبلاد الشام وغرب العراق، واعتمدت في معيشتها على رعي الأغنام والتنقل المستمر.
وأوضح "شاكر" أن وجود الهكسوس على حدود مصر لم يكن أمرًا طارئًا، بل كانوا يتواجدون في المناطق الحدودية خلال فترات قوة الدولة المصرية لرعي الأغنام، بينما كانت السلطات المصرية تنفذ حملات لتأمين الحدود والتعامل مع أي تحركات غير منظمة.
تفسير تاريخي لوجود الهكسوس
كما لفت "شاكر" إلى أن الهكسوس استغلوا حالة الضعف الإداري والسياسي التي شهدتها مصر عقب نهاية عصر الدولة الوسطى، وتمكنوا من التسلل إلى داخل البلاد، مؤكدًا أنهم لم يتركوا أي إنتاج حضاري أو موروث مستقل يمكن نسبته إليهم.

وأضاف "كبير الأثريين" أن العثور على أوانٍ فخارية تصنف علميًا ضمن ما يعرف بـ"طراز اليهودية"، أو العثور على مبانٍ مشيدة بالطوب اللبن، لا يحمل أي دلالة تاريخية أو سياسية، ولا يمكن استخدامه لإثبات أي روايات دينية أو توظيفه لخدمة أهداف سياسية.
وأوضح "كبير الأثريين" أن الهكسوس لم يمتلكوا مهارات البناء بالحجر أو النقش والكتابة كما فعل المصريون القدماء، وهو ما يفسر عدم العثور على أي نصوص أو مدونات تعود إليهم داخل الموقع الأثري.
وشدد "كبير الأثريين" على أن الهكسوس كانوا يعتمدون بشكل كامل على التأثر بالحضارة المصرية، مشيرًا إلى أن جميع الشواهد المكتشفة في الموقع، بما في ذلك أساليب الدفن مثل وضعية "القرفصاء"، تعكس تأثيرات مصرية واضحة ولا تمثل حضارة مستقلة.
تأكيد على الهوية الحضارية المصرية
وفي ختام تصريحاته أكد الدكتور مجدي شاكر، على قوة وعمق الحضارة المصرية عبر العصور، موضحًا أن مصر استقبلت على مدار تاريخها الطويل ملايين الوافدين، إلا أن أياً من الجماعات التي دخلت إليها لم تتمكن من تغيير هويتها الحضارية أو ترك أثر يوازي الحضارة المصرية.
وأشار "شاكر" إلى أن الكشف الأثري الأخير لا يتجاوز كونه دليلًا تاريخيًا على وجود جماعات أقامت لفترة زمنية محددة، دون أن تترك أي بصمة حضارية مستقلة أو تؤيد الادعاءات التي روج لها التقرير الإسرائيلي.
