اللجنة الوطنية لإدارة غزة بين ضرورات الإدارة وثوابت الشرعية الوطنية

اللجنة الوطنية لإدارة غزة بين ضرورات الإدارة وثوابت الشرعية الوطنية قراءة سياسية في ضوء المرجعيات الوطنية لمنظمة التحرير الفلسطينية وأدبيات حركة "فتح"

بقلم: موسى نافذ الصفدي

تفرض التحولات المتسارعة التي تشهدها القضية الفلسطينية، في ظل حرب الإبادة والتدمير التي تعرض لها قطاع غزة، مقاربة سياسية تتجاوز البعد الإجرائي لأي ترتيبات انتقالية، وتنظر إليها باعتبارها جزءاً من المشهد الوطني العام الذي يتصل بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني ووحدة الأرض والشعب والقضية. وفي هذا السياق، يبرز تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة بوصفه أحد العناوين المطروحة لإدارة المرحلة الانتقالية، بما تحمله من تحديات إنسانية وإدارية وتنموية، وبما يرافقها من رهانات سياسية تتجاوز حدود إدارة الخدمات وإعادة الإعمار إلى الأسئلة الكبرى المرتبطة بالشرعية الوطنية، ووحدة النظام السياسي، ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني. ولا خلاف على أن أبناء شعبنا في قطاع غزة، الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمائهم ومقدراتهم، يستحقون استعادة الحياة الطبيعية، وإعادة بناء ما دمره الاحتلال، وتأمين الخدمات الأساسية، وترسيخ سيادة القانون، وتهيئة الظروف التي تحفظ كرامة الإنسان الفلسطيني وتعزز صموده على أرضه.

وهي أهداف تنسجم مع المصلحة الوطنية العليا، وتشكل أولوية لا تحتمل التأجيل. غير أن القراءة السياسية المسؤولة لا تكتفي بالنظر إلى الأهداف الإدارية والإنسانية، بل تتوقف عند المرجعيات التي تحكمها، والبيئة السياسية التي تنشأ في إطارها، لأن التجربة الفلسطينية أثبتت أن كثيراً من المبادرات الدولية والإقليمية حاولت، في محطات مختلفة، اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الإنساني والإغاثي، وإبعادها عن حقيقتها باعتبارها قضية تحرر وطني لشعب يناضل من أجل إنهاء الاحتلال وتجسيد استقلاله.

ومن هنا، فإن المرجعية الوطنية التي أرستها منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، تبقى الأساس الذي تستند إليه جميع الترتيبات الوطنية، باعتبارها الإطار الجامع للقرار الوطني الفلسطيني، وصاحبة الولاية السياسية والقانونية على المشروع الوطني بكل مكوناته. لقد أكدت منظمة التحرير الفلسطينية، في برامجها السياسية وقرارات مؤسساتها الشرعية، أن أي معالجة للواقع الفلسطيني يجب أن تنطلق من أولوية الحل السياسي الشامل القائم على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، مع صون حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وفق القرار 194، ورفض أي ترتيبات تجعل إعادة الإعمار بديلاً عن الحل السياسي أو مدخلاً للالتفاف على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

وانطلاقاً من هذه الثوابت، فإن أي أطر أو لجان أو آليات دولية أو إقليمية تُعنى بإدارة المرحلة الانتقالية ينبغي أن تكون عامل دعم وإسناد للشرعية الوطنية الفلسطينية، لا بديلاً عنها، ولا منتقصة من صلاحياتها السياسية والسيادية، لأن المرجعية الإدارية والسياسية لقطاع غزة كانت وستبقى جزءاً لا يتجزأ من ولاية السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها الشرعية، وفي إطار القرار الوطني الفلسطيني المستقل. وفي المقابل، فإن استعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني تظل رهناً بتطبيق المبدأ الذي تمسكت به حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية منذ وقوع الانقسام، والقائم على سلطة واحدة، وقانون واحد، ومؤسسة أمنية واحدة، باعتباره المدخل الطبيعي لإنهاء الانقسام وترميم البنية الوطنية الفلسطينية. فلا يمكن لأي مشروع لإعادة البناء أو التنمية أو النهوض بالمؤسسات أن يحقق أهدافه في ظل ازدواجية السلطات، أو تعدد المرجعيات، أو استمرار وجود مراكز قرار متوازية، لأن بناء الدولة الحديثة يقتضي وحدة القرار السياسي، ووحدة المؤسسات، وخضوع الجميع لسيادة القانون.

وفي هذا الإطار، تبرز المسؤولية السياسية التي تتحملها حركة حماس عن تكريس واقع الانقسام منذ عام 2007، وما ترتب عليه من إضعاف للنظام السياسي الفلسطيني، وإرباك للمشروع الوطني، وإتاحة المجال أمام الاحتلال الإسرائيلي لاستثمار الانقسام في تكريس سياسات الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بما يخدم أهدافه الاستراتيجية في تقويض فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. إن تمكين السلطة الوطنية الفلسطينية من ممارسة كامل صلاحياتها في قطاع غزة، كما في الضفة الغربية والقدس، لا يمثل مطلباً فئوياً أو تنظيمياً، بل استحقاقاً وطنياً يعيد الاعتبار لوحدة الكيانية الفلسطينية، ويعيد بناء المؤسسات على أسس قانونية ودستورية واحدة، ويؤسس لمرحلة جديدة تستعيد فيها القضية الفلسطينية وحدتها السياسية والإدارية.

وفي الوقت ذاته، فإن الالتزام بمبدأ السلطة الواحدة لا يتعارض مع الشراكة الوطنية أو التعددية السياسية، بل إن المشروع الوطني الذي تقوده منظمة التحرير الفلسطينية يقوم على احترام التعددية، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية عبر الانتخابات الديمقراطية، وإعادة بناء مؤسسات المنظمة بما يعزز مشاركة جميع القوى الوطنية تحت مظلة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بعيداً عن الانقسامات أو المرجعيات الموازية.

كما أن إعادة إعمار قطاع غزة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مشروعاً خدمياً أو هندسياً فحسب، وإنما باعتبارها جزءاً أصيلاً من معركة الصمود الوطني، ومساراً سياسياً يرسخ بقاء الإنسان الفلسطيني على أرضه، ويحافظ على القرار الوطني المستقل، ويمنع توظيف المساعدات أو مشاريع الإعمار في إنتاج وقائع سياسية تتجاوز الشرعية الوطنية أو تنتقص من مكانة منظمة التحرير الفلسطينية. إن نجاح اللجنة الوطنية لإدارة غزة لن يُقاس فقط بقدرتها على إعادة تشغيل الخدمات الأساسية، أو إصلاح البنية التحتية، أو إدارة الموارد بكفاءة، رغم أهمية ذلك، وإنما سيُقاس قبل كل شيء بمدى التزامها بالشرعية الوطنية الفلسطينية، وإسهامها في ترسيخ وحدة النظام السياسي الفلسطيني، وربط جهودها بالأهداف الاستراتيجية للمشروع الوطني، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة، وصون القرار الوطني المستقل.

وفي لحظة تاريخية تتشابك فيها الضغوط الدولية مع تعقيدات الواقع الداخلي، تبقى البوصلة الوطنية واضحة: فلا إدارة ناجحة بلا شرعية، ولا إعادة إعمار مستدامة بلا وحدة وطنية، ولا مستقبل لغزة خارج إطار وحدة الوطن، ووحدة مؤسساته، ووحدة تمثيله السياسي التي تجسدها منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها البيت الوطني الجامع، والمرجعية السياسية التي تعمدت شرعيتها بدماء الشهداء وتضحيات الأسرى ونضالات الشعب الفلسطيني الممتدة عبر عقود طويلة من الكفاح الوطني.إذا رغبت، أستطيع أيضاً تعزيز المقال بإحالات إلى قرارات المجلسين الوطني والمركزي الفلسطيني، ووثيقة إعلان الاستقلال لعام 1988، بما يمنحه بعداً قانونياً وسياسياً أكثر قوة وملاءمة للنشر في مجلة فكرية تتبع منظمة التحرير الفلسطينية.

البوابة 24