فلسطين ليست غنيمة

بقلم:رامي الغف*

رسالة إلى صُنّاع القرار الفلسطيني إلى الذين يملكون القرار، ويجلسون في مواقع المسؤولية، ويتحدثون باسم شعبٍ لم يعد يملك ترف الانتظار. كفى. كفى انقساما، كفى مناكفات، كفى اتهامات، كفى بيانات، وكفى أعذارا تُعاد صياغتها كلما فشل مشروع للمصالحة. فهذا الشعب الذي تحمل الاحتلال والحصار والفقر والحروب والتهجير، لم يعد يحتمل أن يكون ضحية لخلافات السياسيين أيضاً. لقد صبر الفلسطيني طويلاً. صبر على الاحتلال، وصبر على الفقر، وصبر على الحصار، وصبر على خراب البيوت، وضياع الأحلام، وانسداد الأفق. لكنه اليوم يواجه وجعا أكثر قسوة: أن يرى وطنه منقسما، وقراره مشتتا. ومؤسساته متنازعة، بينما حياته تتراجع يوماً بعد يوم. يا صُنّاع القرار… لا تسألوا المواطن لماذا فقد ثقته. اسألوا أنفسكم: ماذا فعلتم حتى يحافظ على ثقته؟ لا تطلبوا من الناس المزيد من الصبر، قبل أن تقدموا لهم سبباً واحداً يجعلهم يصدقون أن هذا الصبر لن يذهب سدى. لقد سمع الشعب الكثير من الوعود. سمع عن المصالحة، والوحدة، والشراكة، وإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وإعادة بناء النظام السياسي. لكن المواطن يريد أن يرى الأفعال، لا أن يسمع الكلمات. يريد أن يعرف: إلى أين نحن ذاهبون؟ هل هناك مشروع وطني حقيقي لإنهاء الانقسام؟ هل هناك إرادة سياسية فعلية لتوحيد المؤسسات؟ هل أصبحت فلسطين فعلاً فوق الحسابات الحزبية؟ أم أن كل طرف لا يزال يرى الوطن من زاوية موقعه ومصلحته ونفوذه؟ هذه الأسئلة ليست ترفا سياسياً. إنها أسئلة شعبٍ أنهكته السنوات، وأرهقته الأزمات، وأصبح يخشى أن يتحول الانقسام من مرحلة مؤقتة إلى واقع دائم تتوارثه الأجيال. وهنا تقع المسؤولية التاريخية على عاتق الجميع. لا أحد بريء من مسؤولية ما وصلنا إليه. ولا يجوز أن تستمر سياسة تحميل الطرف الآخر كل الأخطاء، وكأن طرفاً واحداً امتلك الحقيقة المطلقة طوال السنوات الماضية. الوطن لا يُبنى بعقلية المنتصر والمهزوم.

الوطن يُبنى بالشراكة. والشراكة لا تعني اقتسام النفوذ، وإنما اقتسام المسؤولية. نحن لا نحتاج إلى فصيل ينتصر على فصيل. نحتاج إلى فلسطين تنتصر على الانقسام. لا نحتاج إلى حكومة تُرضي هذا الطرف أو ذاك. نحتاج إلى حكومة تُرضي المواطن. ولا نحتاج إلى مسؤول يسأل: ماذا سيحدث لحزبي إذا اتخذت هذا القرار؟ بل نحتاج إلى مسؤول يسأل: ماذا سيحدث لفلسطين إذا لم أتخذ هذا القرار؟ هذه هي المسافة بين رجل السلطة ورجل الدولة. رجل السلطة يفكر في بقائه. أما رجل الدولة فيفكر في وطنه. والتاريخ لا يرحم. سيسأل ذات يوم كل من امتلك القرار: ماذا فعلت عندما كان شعبك يحتاج إلى الوحدة؟ ماذا فعلت عندما كان وطنك ينزف؟ ماذا قدمت عندما كانت فلسطين بحاجة إلى رجال يضعون مصلحتها فوق مصالحهم؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يعتاد الناس على الانقسام.

لأن الاحتلال قد يفرض واقعاً بالقوة، لكن أخطر منه أن يتحول الانقسام إلى ثقافة سياسية واجتماعية. عندها لن تكون المشكلة في اختلاف السياسيين فقط، بل في جيل كامل يتعلم أن الانقسام أمر طبيعي. وهذا ما يجب أن نرفضه بكل قوة. يا صُنّاع القرار… لا تجعلوا فلسطين غنيمة سياسية. لا تجعلوا المناصب أهم من الوطن. لا تجعلوا الفصيل أكبر من الشعب. لا تجعلوا الحسابات الشخصية والحزبية تقف فوق دماء الشهداء وتضحيات الأسرى والجرحى ومعاناة الملايين. فلسطين ليست ملكاً لحزب. وليست ملكاً لزعيم. وليست ملكاً لجماعة. فلسطين ملك شعبها.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس خطاباً جديداً، بل قراراً شجاعاً. قرار ينهي الانقسام. قرار يوحّد المؤسسات. قرار يعيد الاعتبار للقانون. قرار يضع الإنسان الفلسطيني في مقدمة الأولويات. قرار يقول بوضوح: لا سلطة فوق الشعب، ولا فصيل فوق الوطن، ولا مصلحة فوق فلسطين. لقد آن الأوان أن نغلق دفتر السنوات السوداء، لا بالنسيان، وإنما بالتعلم منها. آن الأوان أن نترك خلفنا عقلية الثأر السياسي، وأن نفتح صفحة جديدة عنوانها: وحدة وطنية حقيقية، شراكة سياسية، مؤسسات قوية، وعدالة للجميع. أما الاستمرار في الطريق نفسه، فلن ينتج إلا مزيداً من الإحباط، ومزيداً من فقدان الثقة، ومزيداً من الانقسام. والشعب الذي صبر على كل شيء، قد لا يقبل إلى الأبد أن يدفع ثمن صراع لم يختره. تذكروا جيداً: السلطة مؤقتة. المنصب مؤقت. الحزب مؤقت. الأسماء تتغير. أما فلسطين… فباقية. فلا تخسروا فلسطين من أجل مقعد. ولا تخسروا الشعب من أجل سلطة. ولا تجعلوا التاريخ يكتب أن جيلا كاملاً امتلك فرصة إنقاذ وطنه، لكنه اختار أن يحمي موقعه. فلسطين ليست غنيمة. وفلسطين أكبر من الجميع. والإنسان الفلسطيني… هو الخط الأحمر الأول والأخير.

*الاعلامي والباحث السياسي

البوابة 24