بقلم:رامي الغف*
كنت أتوقع، كما توقع كثيرون من أبناء حركة فتح المخلصين والحريصين على مستقبلها، أن تحمل المرحلة السابقة لإدارة الحركة في قطاع غزة خطوات جذرية وإجراءات استثنائية تعيد ترتيب البيت الفتحاوي الداخلي، وتفتح الأبواب أمام الكفاءات والعقول والنخب الشابة القادرة على تقديم رؤى جديدة وحلول واقعية تتناسب مع حجم التحديات.
كان الأمل أن يتم الاستثمار في الطاقات التنظيمية التي تمتلك الخبرة والمعرفة والقدرة على وضع خطط إنقاذية تعيد للحركة حضورها، وتعالج أزماتها المتراكمة، وتواجه القضايا اليومية التي تمس أبناءها وجماهيرها، وصولًا إلى بناء رؤية علمية قادرة على إصلاح ما أصابه الوهن في بنيتها التنظيمية. لكن الواقع الذي شهدناه حتى انتهاء المرحلة السابقة، أن مساحة كبيرة من هذه الكفاءات والعقول بقيت مغيبة ومستبعدة، رغم استعدادها لتقديم خبراتها وتجاربها التنظيمية، وانتظارها الفرصة التي تناديها فيها فتح لتشارك في عملية النهوض والتجديد.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا لم يتم حتى اللحظة إجراء تغييرات جوهرية في العديد من المفوضيات والدوائر والمؤسسات والأقاليم والمناطق والمواقع التنظيمية الحيوية، وإسناد المسؤولية إلى أصحاب الكفاءة والقدرة على إدارة المرحلة الراهنة، خاصة ونحن أمام استحقاقات وطنية وانتخابية تتطلب تنظيمًا قويًا قادرًا على المنافسة وخدمة شعبه؟ إن حركة فتح في قطاع غزة بحاجة إلى مراجعة شجاعة وصريحة، بعيدًا عن المجاملات والمصالح الضيقة، لأن استمرار تجاهل مكامن الخلل قد يقود إلى مزيد من التراجع، فالمرحلة تحتاج إلى عملية تطوير وتجديد دماء، وإعادة الاعتبار للكفاءات التي تم تهميشها لأسباب لا علاقة لها بالقدرة أو العطاء، بل أحيانًا بسبب حسابات الولاء لهذا الطرف أو ذاك. فتح أكبر من الأشخاص، وأكبر من المواقع والمسميات، وقوتها الحقيقية كانت وستبقى في أبنائها، في مناضليها، في كوادرها، وفي قدرتها على تجديد نفسها عندما تقتضي الضرورة.
ومن هنا تأتي هذه الصرخة إلى الأخ أحمد حلس، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وإلى الهيئة القيادية الجديدة المكلفة بمتابعة شؤون الحركة في قطاع غزة، بضرورة فتح صفحة جديدة عنوانها الإصلاح والبناء، وإزالة كل العوامل التي تعيق مسيرة التقدم، وإعادة دمج الخبرات والكفاءات التي ابتعدت عن العمل التنظيمي بعدما شعرت أن لا مكان لها في ظل حالة الإقصاء والتهميش. فالعمل التنظيمي ليس تشريفًا بل تكليف، والمواقع القيادية ليست امتيازات دائمة، بل مسؤوليات يجب أن تقاس بالإنجاز والعطاء، ومن الطبيعي أن تتاح الفرصة لدماء جديدة وأفكار جديدة، وأن يخضع الأداء للمراجعة والتقييم بعيدًا عن الحسابات الشخصية.
إن الطريق إلى استعادة قوة فتح يبدأ من بناء مؤسساتها ومفوضياتها وأقاليمها على أسس واضحة، تقوم على البرامج والكفاءة والقدرة على الإنجاز، بحيث يكون التقييم قائمًا على العمل والنتائج، لا على العلاقات والانتماءات. ومن الضروري ترسيخ ثقافة الاختلاف الإيجابي، وتحويل التباين في الآراء إلى منافسة شريفة هدفها خدمة الحركة، وتعزيز مبدأ الرأي والرأي الآخر، لأن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها.
كما أن المرحلة القادمة تحتاج إلى تكليف المسؤولين وفق برامج واضحة ومحددة، مع تقييم دوري للأداء، حتى يكون معيار النجاح هو الإنجاز الحقيقي، وليس طول البقاء في الموقع. لقد مر شعبنا وحركتنا بمرحلة صعبة أشبه بزلزال سياسي وتنظيمي، ومن الطبيعي أن تكون هناك خسائر وتداعيات، لكن الأهم هو القدرة على التعلم من الماضي وبناء المستقبل بإرادة أقوى. آن الأوان أن نضع فتح فوق الجميع، وأن نتجرد من الألقاب والمسميات والحسابات الضيقة، وأن نعيد للحركة روحها التي صنعت تاريخها، ونستعيد وهجها بين أبنائها وجماهيرها ومناضليها وشهدائها وجرحاها وأسراها. فتح تستحق أن تستعيد مكانتها، وتستحق أن تُبنى على أسس جديدة تجمع بين الخبرة والشباب، بين التاريخ والتجديد، وبين الوفاء للماضي والاستعداد للمستقبل.
الأمل ما زال موجوداً، لكن الأمل وحده لا يكفي؛ فالمرحلة تحتاج إلى عمل وإرادة وقرارات شجاعة، حتى تعود حركة فتح أكثر قوة وتماسكًا وقدرة على مواصلة دورها الوطني نحو تحقيق تطلعات شعبنا وإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة. *الاعلامي والباحث السياسي *إعلامي وكاتب صحفي
