جرحى فلسطين قضية وطنية لا تحتمل التأجيل

بقلم: رامي الغف*

عندما تُذكر تضحيات الشعب الفلسطيني، تتجه الأنظار عادةً إلى الشهداء والأسرى، وهما عنوانان كبيران في مسيرة النضال الوطني، لكن هناك شريحة لا تقل عطاءً وتضحية، ولا تزال تعيش معركتها كل يوم، وهي شريحة الجرحى وضحايا الحروب، الذين يحملون على أجسادهم آثار الرصاص والشظايا، ويواصلون حياتهم وسط معاناة صحية ونفسية واجتماعية واقتصادية لا تنتهي. الجريح الفلسطيني لا يعيش لحظة الإصابة فقط، بل يعيشها كل يوم. فالإصابة بالنسبة له ليست حدثا عابراً، وإنما بداية رحلة طويلة من العلاج والتأهيل والتكيف مع واقع جديد فرضته الحرب، وكثير من الجرحى فقدوا أطرافهم أو بصرهم أو قدرتهم على الحركة، فيما فقد آخرون مصدر رزقهم، وأصبحوا يعتمدون على المساعدة في أبسط تفاصيل حياتهم اليومية. إن هذه الفئة قدمت أغلى ما تملك دفاعاً عن الوطن، ولذلك فإن رعايتها ليست منحة أو تفضّلا من أحد، بل هي حق أصيل وواجب وطني وأخلاقي يقع على عاتق جميع المؤسسات الرسمية والأهلية، كما أنها مسؤولية مجتمعية تستوجب الوقوف إلى جانبهم وعدم تركهم يواجهون مصيرهم وحدهم. ولا تقتصر احتياجات الجرحى على العلاج الطبي فقط، بل تمتد إلى التأهيل النفسي والاجتماعي والمهني، وتأمين الأجهزة الطبية والأطراف الصناعية، وتوفير فرص العمل والتعليم، وتهيئة المرافق العامة بما يضمن اندماجهم الكامل في المجتمع. فكرامة الجريح لا تتحقق بمجرد إسعافه، وإنما باستعادة دوره الطبيعي في الحياة وتمكينه من الاعتماد على نفسه. وفي ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، تتضاعف معاناة الجرحى نتيجة الضغط الكبير على القطاع الصحي، ونقص الإمكانات والمستلزمات الطبية، وتأخر برامج التأهيل، وصعوبة الحصول على العلاج المتخصص عند الحاجة، وهذا الواقع يفرض على الجهات المختصة، وبدعم من المؤسسات الدولية والإنسانية، العمل على تطوير برامج مستدامة تلبي احتياجات هذه الشريحة وتحفظ كرامتها. كما أن هناك حاجة ملحة إلى تطوير التشريعات التي تكفل حقوق الجرحى، وتضمن حصولهم على الرعاية الصحية والاجتماعية والتأهيلية بصورة عادلة ومنظمة، بما يعزز مكانتهم ويصون تضحياتهم. ومن المهم أيضاً أن يحظى الجرحى بحضور أكبر في الخطاب الوطني والإعلامي، فالإعلام شريك أساسي في نقل معاناتهم، وتسليط الضوء على احتياجاتهم، وتعزيز الوعي المجتمعي بحقوقهم، بما يسهم في بناء ثقافة تقوم على الاحترام والإنصاف، لا على الشفقة أو التهميش. إن قضية الجرحى ليست قضية فئة بعينها، بل هي قضية وطن بأكمله، فكل جريح يمثل قصة صمود، وكل إصابة تحمل في طياتها ثمنًا دفعه صاحبه من أجل شعبه ووطنه. ومن هنا، فإن الوفاء الحقيقي لهم يكون عبر سياسات واضحة، وبرامج عملية، وتشريعات عادلة، تضمن لهم حياة كريمة، وتؤكد أن المجتمع لا ينسى من ضحوا في سبيله. إن الوفاء للجرحى لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بتحويل حقوقهم إلى واقع ملموس، وبجعل رعايتهم أولوية وطنية دائمة، لأن الأمم التي تكرم جرحاها هي الأمم التي تحفظ تاريخها، وتصون كرامة أبنائها، وتبني مستقبلها على قيم العدالة والوفاء والإنسانية.

*إعلامي وباحث سياسي

البوابة 24