بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يكن قرار الحكومة الإسرائيلية تأجيل اجتماع المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) لمناقشة المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مجرد تأجيل إجرائي، بل يعكس عمق الأزمة التي تواجهها إسرائيل في الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة التسويات السياسية والأمنية. فالقضية لم تعد تتعلق بوقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى فحسب، وإنما بمستقبل قطاع غزة، وطبيعة السلطة التي ستديره، والضمانات الأمنية التي تطالب بها إسرائيل، والدور الذي ستلعبه القوى الإقليمية والدولية في مرحلة ما بعد الحرب. ويكشف التأجيل عن وجود فجوة بين الأهداف العسكرية التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب، وبين الواقع السياسي الذي فرضته التطورات الميدانية والضغوط الدولية. فإسرائيل تجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ إذ إن استمرار الحرب يفاقم عزلتها الدولية ويزيد الضغوط السياسية والاقتصادية عليها، بينما يتطلب الانتقال إلى المرحلة الثانية تقديم تنازلات لا تحظى بإجماع داخل الائتلاف الحكومي، خاصة في ظل اعتراض التيارات اليمينية المتشددة الرافضة لأي انسحاب أو ترتيبات تحد من حرية الحركة العسكرية. وعلى المستوى الجيوسياسي، فإن ما يجري في غزة تجاوز منذ فترة كونه نزاعًا فلسطينيًا – إسرائيليًا، ليصبح جزءًا من إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت ترتيبات أمنية تمنع تجدد المواجهة، وتحافظ في الوقت ذاته على أمن إسرائيل، وتحد من اتساع دائرة الصراع الإقليمي، بما ينسجم مع مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. ومن هذا المنطلق، تبدو واشنطن معنية بإنجاح أي صيغة تضمن وقفًا مستدامًا لإطلاق النار، ولو تطلب ذلك ممارسة ضغوط على مختلف الأطراف. وفي المقابل، برز دور الوسطاء الإقليميين، وفي مقدمتهم مصر وقطر وتركيا، بوصفهم أطرافًا رئيسية في إدارة مسار التفاوض. فمصر تنظر إلى استقرار غزة باعتباره جزءًا من أمنها القومي، وتتمسك بمنع أي ترتيبات قد تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين أو المساس بمكانتها في إدارة الملف الفلسطيني. أما قطر، فتواصل أداء دورها في الوساطة وتقديم الدعم الإنساني، بينما تسعى تركيا إلى تعزيز حضورها السياسي والإقليمي عبر المشاركة في الجهود الرامية إلى تثبيت أي اتفاق مستقبلي. لكن الخلاف الإسرائيلي بشأن مشاركة بعض الوسطاء أو بشأن آليات الرقابة الدولية يعكس أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في تفاصيل الاتفاق، وإنما في طبيعة النظام الأمني والسياسي الذي سيحكم غزة بعد الحرب. فإسرائيل تريد ترتيبات تمنحها القدرة على التدخل العسكري متى رأت ذلك ضروريًا، بينما ترى الأطراف الفلسطينية أن أي اتفاق لا يتضمن انسحابًا واضحًا، وضمانات دولية، ورفعًا للقيود الإنسانية، لن يكون سوى هدنة مؤقتة قابلة للانهيار. ومن الناحية القانونية، فإن أي اتفاق يجب أن يستند إلى قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف، بما يضمن حماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، واحترام الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني. كما أن أي ترتيبات انتقالية لا يمكن أن تُعد بديلًا عن الحل السياسي الأشمل القائم على إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير وفق قرارات الشرعية الدولية. إن مستقبل القضية الفلسطينية سيتأثر بصورة مباشرة بنتائج هذه المرحلة. فإذا تحولت ترتيبات وقف إطلاق النار إلى إطار دائم لإدارة الأزمة دون معالجة جذورها السياسية، فإن ذلك سيكرس واقعًا جديدًا يقوم على إدارة الصراع بدلًا من حله. أما إذا نجحت الجهود الدولية والإقليمية في تحويل الاتفاق إلى مدخل لإحياء العملية السياسية، فقد يشكل ذلك فرصة لإعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي بعد سنوات من التراجع. ويبقى السؤال الأهم: هل يمثل تأجيل اجتماع الكابينت محاولة لكسب الوقت وإعادة صياغة شروط الاتفاق بما ينسجم مع متطلبات الائتلاف الحاكم، أم أنه يعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن الحسم العسكري وحده لم يعد قادرًا على إنتاج استقرار سياسي؟ الراجح أن إسرائيل تحاول تحسين شروطها التفاوضية قبل اتخاذ القرار النهائي، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن استمرار الحرب إلى ما لا نهاية ليس خيارًا مستدامًا. فالمعادلة الإقليمية تتغير، والضغوط الدولية تتصاعد، والكلفة الإنسانية والسياسية أصبحت عاملًا لا يمكن تجاوزه. إن نجاح أي اتفاق لن يقاس بعدد الأيام التي يتوقف فيها إطلاق النار، وإنما بقدرته على تأسيس مسار سياسي يعالج جذور الصراع، ويضمن حماية المدنيين، ويحترم قواعد القانون الدولي، ويعيد الاعتبار لحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبار ذلك المدخل الوحيد لتحقيق سلام عادل ودائم في المنطقة.
