وحدة الشعب الفلسطيني.. الركيزة التي أفشلت مشاريع التجزئة

 بقلم: موسى نافذ الصفدي

ليست وحدة الشعب الفلسطيني شعاراً سياسياً يُرفع في المناسبات الوطنية، ولا خطاباً عاطفياً يُستدعى في لحظات الأزمات، وإنما هي حقيقة تاريخية وقانونية وسياسية تشكل جوهر المشروع الوطني الفلسطيني منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، والركيزة التي استندت إليها منظمة التحرير الفلسطينية في بناء شرعيتها الوطنية والدولية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني أينما وجد. لقد أدركت الحركة الوطنية الفلسطينية منذ سنواتها الأولى أن المشروع الصهيوني لم يستهدف احتلال الأرض الفلسطينية فحسب، بل سعى أيضاً إلى تفكيك الشعب الفلسطيني وتحويله إلى تجمعات بشرية منفصلة، لكل منها قضية مختلفة، وهو ما تجسد في محاولات متواصلة للتعامل مع فلسطينيي الداخل، وأبناء الضفة الغربية، وسكان قطاع غزة، ولاجئي الشتات، باعتبارهم كيانات مستقلة ذات مصالح متباينة.

في المقابل، جاءت منظمة التحرير الفلسطينية لتؤكد أن الفلسطيني، أينما كان، هو جزء من شعب واحد وقضية واحدة ومشروع وطني واحد. هذا الفهم تُرجم عملياً عندما اعترفت القمة العربية في الرباط عام 1974 بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، ثم عززته الأمم المتحدة بمنح المنظمة صفة المراقب في العام نفسه، قبل أن يتطور لاحقاً إلى الاعتراف الدولي بدولة فلسطين. ولم يكن هذا الاعتراف ليصبح ممكناً لولا أن المنظمة مثلت جميع الفلسطينيين، ولم تحصر نفسها في بقعة جغرافية أو تجمع سكاني بعينه. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعد خطاب سياسي وإعلامي ينطلق من حسابات جزئية تفرضها الظروف المعيشية الصعبة لكل تجمع فلسطيني، حتى بات البعض يتحدث عن الضفة الغربية بمعزل عن غزة، أو عن الشتات بمعزل عن الوطن، وكأن لكل جزء من الشعب الفلسطيني مشروعه الخاص وأولوياته المنفصلة.

وهذه القراءة، مهما كانت دوافعها، تنطوي على خطر استراتيجي لأنها تتقاطع، من حيث النتيجة، مع أحد الأهداف التاريخية للمشروع الإسرائيلي القائم على تفكيك وحدة الشعب الفلسطيني وتحويل قضيته إلى ملفات منفصلة يسهل التعامل معها سياسياً وأمنياً. إن مراجعة مسيرة الثورة الفلسطينية تكشف بوضوح أن أعباء النضال لم تكن ثابتة في مكان واحد، وإنما انتقلت مع تطور الصراع، بينما بقي الشعب الفلسطيني موحداً في تحمل المسؤولية الوطنية. ففي مرحلة انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965، كان الفلسطينيون في الأردن يتحملون العبء الأكبر لاستضافة قواعد الثورة ومؤسساتها، ودفعوا أثماناً سياسية وأمنية واجتماعية باهظة، بلغت ذروتها في أحداث أيلول عام 1970 وما تلاها من خروج قوات الثورة من الأردن.

ومع ذلك، لم يعتبر الفلسطينيون في الأردن أن معاناتهم قضية منفصلة عن معاناة بقية أبناء شعبهم، بل رأوا فيها جزءاً من كلفة استمرار الكفاح الوطني. ثم انتقل مركز ثقل الثورة إلى لبنان، حيث خاضت المقاومة الفلسطينية معارك طويلة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وتعرضت المخيمات الفلسطينية لسلسلة من الاجتياحات والحصارات، وصولاً إلى اجتياح بيروت عام 1982، ثم المجازر التي ارتكبت في صبرا وشاتيلا، فضلاً عن سنوات الحرب التي دفعت خلالها المخيمات الفلسطينية ثمناً إنسانياً وسياسياً كبيراً.

ومع ذلك، بقيت البوصلة الوطنية موحدة، ولم يتحول الألم إلى مشروع سياسي منفصل. ومع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، انتقل مركز الثقل إلى أرض الوطن، وأصبحت الضفة الغربية وقطاع غزة ساحة المواجهة اليومية مع الاحتلال. ومنذ انتفاضة الأقصى، ثم فرض الحصار على قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان والاقتحامات والاعتقالات في الضفة الغربية، تحمل الفلسطينيون في الداخل العبء الأكبر من المواجهة المباشرة، دون أن يلغي ذلك مسؤولية الشتات في حماية الهوية الوطنية والدفاع عن حق العودة، الذي أكدته قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194. إن اختلاف مواقع المعاناة لا يعني اختلاف القضية. فالاحتلال لم يغيّر أهدافه الاستراتيجية منذ عقود، وإنما غيّر أدواته.

ففي الضفة الغربية يستخدم الاستيطان والضم التدريجي ومصادرة الأراضي والاعتقالات، وفي قطاع غزة يوظف الحصار والعمليات العسكرية والتدمير واسع النطاق، وفي الشتات يستثمر في تقويض قضية اللاجئين ومحاولات إضعاف المؤسسات الدولية المعنية بهم، وفي مقدمتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، بهدف تقليص البعد السياسي لقضية اللاجئين وتحويلها إلى ملف إنساني بحت. إن هذه السياسات، على اختلاف أشكالها، تصدر عن استراتيجية إسرائيلية واحدة تقوم على إنهاك الإنسان الفلسطيني اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً، ودفعه إلى الانشغال بتأمين احتياجاته اليومية على حساب تمسكه بحقوقه الوطنية. ولذلك فإن الضغوط الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، وتقييد الحركة، والعقوبات الجماعية، ليست أحداثاً منفصلة، بل أدوات في حرب استنزاف طويلة تستهدف كسر الإرادة الوطنية الفلسطينية.

ومن هنا فإن مسؤولية القوى الوطنية، وفي مقدمتها حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، تتجاوز إدارة الشأن السياسي اليومي، لتشمل حماية وحدة الوعي الوطني الفلسطيني، ومواجهة كل خطاب يعيد إنتاج الانقسام الجغرافي أو النفسي بين أبناء الشعب الواحد. فالمشروع الوطني لا يمكن أن ينجح إذا أصبحت لغة الخطاب السياسي انعكاساً للهموم المحلية فقط، بعيداً عن الرؤية الوطنية الشاملة. لقد أكدت وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني الصادرة في الجزائر عام 1988 أن الشعب الفلسطيني، أينما وجد، هو صاحب الحق في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، كما كررت دورات المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي التأكيد على وحدة الأرض والشعب والتمثيل السياسي، باعتبارها ثوابت غير قابلة للتجزئة أو المساومة.

ولذلك فإن الحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني لا يبدأ فقط بالحفاظ على وحدة المؤسسات، وإنما يبدأ أيضاً بوحدة الخطاب السياسي، ووحدة الرواية الوطنية، ووحدة الشعور بالمصير المشترك. فالفلسطيني الذي يصمد في القدس، والفلسطيني الذي يواجه الاستيطان في الضفة الغربية، والفلسطيني الذي يصبر تحت الحصار في قطاع غزة، والفلسطيني الذي يحافظ على هويته في مخيمات لبنان وسوريا والأردن وفي مختلف بلدان اللجوء والمهجر، جميعهم يخوضون المعركة الوطنية نفسها، وإن اختلفت ساحات المواجهة. لقد أثبت التاريخ أن الشعب الفلسطيني كان أقوى ما يكون عندما أدرك أن معركة جزء منه هي معركة الجميع، وأن الألم الذي يعيشه تجمع فلسطيني هو مسؤولية وطنية مشتركة.

أما عندما يتراجع هذا الإدراك، وتطغى الحسابات المحلية على الرؤية الوطنية، فإن المشروع الوطني يصبح أكثر عرضة للاختراق. واليوم، وفي ظل ما تتعرض له القضية الفلسطينية من تحديات غير مسبوقة، يصبح واجب المرحلة إعادة الاعتبار للخطاب الوطني الجامع الذي يؤكد أن فلسطين ليست جغرافيا مجزأة، وأن الشعب الفلسطيني ليس جماعات متفرقة، بل هو شعب واحد، وقضية واحدة، وشرعية وطنية واحدة، ومشروع تحرري واحد، وأن صمود كل فلسطيني، أينما وجد، هو إضافة إلى رصيد النضال الوطني، وخطوة جديدة على طريق الحرية والعودة والاستقلال.

البوابة 24