القاهرة خارج التحالف الجديد.. ما سر غياب مصر عن "اتفاقية مكة"؟

اتفاقية مكة
اتفاقية مكة

أثيرت العديد من التساؤلات بشأن أسباب غياب مصر عن "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين السعودية وتركيا وباكستان، وأسباب غياب القاهرة عن هذا الترتيب الأمني الجديد، رغم علاقاتها الجيدة بالدول الثلاث.

اتفاقية جديدة وتساءلات حول الغياب

وأعلن مكة أمس الجمعة عن "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، التي وقعها كل من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، بهدف "تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء".

وتنص الاتفاقية على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعد هجومًا على الجميع.

وكان اللافت عدم وجود مصر، التي تشارك في آلية رباعية تضم وزراء خارجية الدول الثلاث تحت اسم "R4"، وعقدت الآلية خمسة اجتماعات حتى الآن، كان آخرها الأربعاء الماضي في العاصمة الأردنية عمان على هامش الاجتماع الوزاري بشأن القدس، فضلًا عن الدور الإقليمي المؤثر الذي تؤديه القاهرة في قضايا الأمن والاستقرار بالمنطقة.

وفي هذا الإطار، يرى عدد من الخبراء الذين تحدثوا لـRT أن عدم مشاركة مصر كان "متعمدًا"، نتيجة حسابات سياسية ودبلوماسية مرتبطة بطبيعة الدور الذي تؤديه القاهرة في الإقليم، إذ تفضل الحفاظ على مساحة من الحركة والتوازن بين مختلف الأطراف، بدلًا من الانضمام إلى محاور عسكرية قد تحد من قدرتها على ممارسة دور الوساطة.

الحياد ودور الوساطة

وأكد اللواء محمد الشهاوي، زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا، إن غياب مصر عن الاتفاقية "مقصود ومدروس"، في ظل قيام القاهرة بدور وساطة بين إيران والولايات المتحدة بهدف تجنب توسيع دائرة الصراع في المنطقة.

وتابع "الشهاوي" أن هذا الترتيب الدفاعي بين الدول الثلاث قد يُنظر إليه باعتباره موجهًا نحو إيران، وهو ما يجعل مصر حريصة على عدم الانضمام إلى محور قد يؤدي إلى زيادة التوتر في المنطقة أو يجرها إلى حرب.

كما أوضح "الشهاوي" أن السياسة المصرية تقوم على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، وأن انضمام القاهرة إلى تحالف عسكري قد يؤثر على دورها كطرف قادر على التواصل مع جميع القوى الإقليمية، مؤكدًا أن مصر "لا تريد أن تكون في حلف، لكنها تريد أن تلعب دورًا يجمع كل الدول"، بما يحافظ على قدرتها على أداء دور الوسيط.

اختلاف الأولويات

من جهته، قال تامر الشهاوي، اللواء والبرلماني المصري السابق، إن غياب مصر عن الاتفاقية يرجع إلى عدة أسباب، من بينها اختلاف الأولويات، فضلًا عن أن السياسة المصرية تقوم على عدم الانخراط في تحالفات عسكرية واسعة، وتفضل بدلًا من ذلك الاتفاقيات الثنائية والتنسيق المباشر مع الدول المختلفة.

وأشار "الشهاوي" في تصريحاته لـRT إلى أن غياب القاهرة لا يعكس موقفًا عدائيًا تجاه هذا التحالف، وإنما يعبر عن اختلاف في الرؤية بشأن طبيعة الترتيبات الأمنية الإقليمية، معتبرًا أن الاتفاقية تمثل بداية لظهور "ترتيبات أمنية جديدة" في المنطقة، وقد تشكل ما يشبه "ناتو إسلاميًا مصغرًا".

كما وجه "الشهاوي" تحذير من مخاطر إعادة تشكيل الصراعات في المنطقة، مشيرًا إلى أن بعض التحولات الدولية والإقليمية أسهمت في نقل بؤرة الصراع من كونه "عربيًا إسرائيليًا" إلى صراعات "عربية عربية"، ثم إلى "عربية فارسية".

وأوضح "الشهاوي" أن بعض السياسات الدولية أسهمت في تعزيز النفوذ الإيراني بعد أحداث كبرى شهدتها المنطقة، ما ترتب عليه ظهور ما عُرف بـ"الهلال الشيعي"، إلى جانب دعم بعض التيارات والتنظيمات السياسية السنية في دول عربية مختلفة، وهو ما أدى إلى تشكيل محاور إقليمية متنافسة.

حسابات القاهرة والتوقيت

وفي السياق ذاته، أكد السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن مصر لديها حساباتها الخاصة على المستويين الدبلوماسي والعسكري، موضحًا أن التنسيق السياسي ضمن الآلية الرباعية التي تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، لا يعني بالضرورة الانضمام إلى ترتيبات عسكرية مشتركة.

وأكد "هريدي" لـRT إن القاهرة قد تتعاون وتنسق دبلوماسيًا مع مختلف الأطراف، لكن ذلك لا يعني ترجمة هذا التعاون إلى مشاركة في تحالفات عسكرية، خاصة أن لكل دولة اعتبارات تاريخية واستراتيجية تحكم قراراتها.

ومن جانبه، أوضح السفير رخا أحمد حسن أن السياسة المصرية خلال السنوات الماضية تقوم على عدم إرسال قوات عسكرية خارج حدودها، مستشهدًا بمواقف القاهرة تجاه عدد من الأزمات الإقليمية، مثل الأوضاع في ليبيا والسودان، حيث تركز على الدعم السياسي والمشاورات بدلًا من المشاركة العسكرية المباشرة.

ولفت "حسن"، في حديثه مع RT إلى أن توقيت الإعلان عن الاتفاقية يحمل أهمية كبيرة، في ظل استمرار أزمات وصراعات إقليمية لم تُحسم بعد ولم تتضح مآلاتها.

وأوضح أن عامل الوقت ربما كان أحد أسباب غياب مصر عن الاتفاقية، فعلى الرغم من دعوة مصر إلى ترتيبات أمنية جديدة، فإنها تفضل إتمام ذلك بعد نهاية الحرب الجارية، بدلًا من الانضمام إلى تحالفات في ظل استمرار الصراعات، حتى لا يُنظر إليها باعتبارها حليفًا لطرف على حساب آخر.

روسيا اليوم