غزة/ البوابة 24 - بسمة أبو ناصر
وقفت راما أمام شقيقها الأصغر، تتأمل ملامحه التي أنهكها الانتظار، فيما كانت الكلمات عالقة في حلقها. لم يكن يدرك أن الأيام التي أبعدتهما عن بعضهما بعد القصف ستنتهي بخبر سيغير حياتهما إلى الأبد.
وحين أخبرته باستشهاد والديهما، ارتمى بين ذراعيها باكيًا، بينما احتضنته بصمت، تحاول إخفاء دموعها قبل أن تجفف دموعه. في تلك اللحظة، لم تكن راما تودّع والديها فقط، بل كانت تودّع حياتها كما عرفتها، لتجد نفسها، وهي في الثامنة عشرة، أمام مسؤولية رعاية شقيقها الأصغر.
لم تتخيل راما رمضان أن تجد نفسها في هذا الدور. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، استهدف قصف إسرائيلي منزل عائلتها في مخيم النصيرات، ما أدى إلى استشهاد والديها وأحد أشقائها، فيما أصيبت هي في يديها ورجلها، وأمضت نحو 20 يومًا في المستشفى لتلقي العلاج.
تفرقت الأسرة بين بيوت الأقارب والأصدقاء، وتنقلت راما مع شقيقها بين أكثر من مكان، قبل أن يستقرا مع عمهما في أحد المخازن في النصيرات. هناك، تولت راما رعاية شقيقها ومتابعة شؤونه اليومية، بينما كانت لا تزال تتعافى من إصاباتها.
تقول راما: «منذ أن فقدت والديّ، لم يعد لديّ وقت لأفكر في نفسي كما كنت من قبل. أصبحت أتابع أخي في دراسته، وأهتم بملابسه وطعامه وكل تفاصيل حياته اليومية، وأحاول أن أوفر له ما يحتاجه، وكأنني أمه».
لم تكن رعاية شقيقها سهلة، خصوصًا أنه في الحادية عشرة من عمره، ومعتادًا على اهتمام والديه ودلالهما. وبعد فقدهما، تغير سلوكه وأصبح التعامل معه أكثر صعوبة؛ فكان يفتعل المشاكل مع الأطفال في الشارع ولا يستجيب دائمًا لتوجيهاتها.
تقول: «كنت أحاول أن أحتويه وأفهم ما يمر به، فأنا أعرف أنه فقد والديه أيضًا، ولم يكن من السهل عليه أن يتقبل ما حدث».
واليوم، تحاول راما الموازنة بين رعاية شقيقها وبناء مستقبلها. فقد حصلت مؤخرًا على معدل 85.3% في الثانوية العامة، وتحلم بدراسة تخصص نظم المعلومات، إلا أن الظروف الاقتصادية الصعبة تقف عائقًا أمام مواصلة تعليمها.
ومع ذلك، تتمسك بأمل الحصول على فرصة تمكنها من إكمال دراستها، وتأمين مستقبلها ومستقبل شقيقها، ومنحهما حياة أكثر استقرارًا.
مسؤولية تتجاوز العمر
وتتكرر هذه المسؤولية بين فتيات أخريات في غزة، وجدن أنفسهن بعد فقد الوالدين أمام أدوار لم يخترنها ولم يكنّ مستعدات لها. فخلود قدوم، 28 عامًا، واجهت تجربة مشابهة، وإن اختلفت ظروفها. فبعد وفاة والدها عام 2021، ثم وفاة والدتها خلال الحرب، أصبحت مسؤولة عن شقيقاتها الثلاث، في وقت كانت فيه الحرب قد زادت أعباء حياتها.
تقول خلود: «بعد وفاة أمي أصبحت أنا المسؤولة عن شقيقاتي وكل ما يحتجن إليه».
تعيش خلود وشقيقاتها في خيمة بمنطقة الجوازات، وتحاول من خلال عملها في محل لتأجير فساتين الزفاف توفير احتياجاتهن. إلا أن دخلها لا يكفي لتغطية مصاريف الأسرة طوال الشهر، فيما تتزايد الأعباء مع احتياجات شقيقاتها التعليمية؛ إذ تستعد إحداهن لامتحانات الثانوية العامة وتحتاج إلى الالتحاق بمراكز تعليمية، بينما تدرس أخرى في الجامعة وتحتاج إلى تسديد رسومها.
ولا تقتصر مسؤولية خلود على تأمين احتياجات الأسرة، فهي تحاول أيضًا مساندة شقيقاتها في مواجهة فقد والديهما. تقول: «عندما يشتقن إلى أمي أو أبي، أحاول أن أخفف عنهن وأواسيهن، وأرافقهن إلى المقبرة، لأنهن بحاجة إلى من يقف إلى جانبهن».
ومع محدودية دخلها وفقدان الأسرة معظم ما كانت تملك، أصبحت المساعدات المالية ضرورة لمواصلة إعالة شقيقاتها وتغطية تكاليف المعيشة والتعليم.
وترى خلود أن تجربتها تشبه ما تعيشه فتيات أخريات في غزة ممن وجدن أنفسهن أمام مسؤوليات لم يخترنها ولم يكنّ مستعدات لها.
وتلخص ما تتمناه لهن ولشقيقاتها قائلة: «نحن نحاول أن نكمل ونصبر ونرضى، رغم أن المسؤولية كبيرة، وكل ما نريده أن نستطيع تأمين حياة كريمة لنا».
حزن مؤجل ومسؤولية مبكرة
من جهتها، ترى الأخصائية النفسية آية المقيد أن الفتيات اللواتي يجدن أنفسهن فجأة في دور الأم يواجهن صدمتين متزامنتين: الأولى فقدان الأم، والثانية تحمّل مسؤولية تفوق قدرتهن على الاحتمال.
وتوضح أن هذه المسؤولية قد تترك لديهن مشاعر العجز والقهر والخوف والذنب، خصوصًا أنهن يدخلن هذا الدور من دون استعداد نفسي أو اجتماعي مسبق.
وتضيف أن الفتاة قد تضطر إلى تأجيل حزنها والانشغال برعاية إخوتها وإدارة شؤون المنزل، فتضع احتياجاتها النفسية في المرتبة الأخيرة. ومع استمرار المسؤوليات، قد تنغمس في العمل والرعاية اليومية لتجنب مواجهة مشاعر الفقد، ما يعني أن الحزن لا يختفي، بل يتراكم في ظل غياب مساحة آمنة للتعبير عنه والتعامل معه.
ولا تقتصر تداعيات هذه المسؤولية على الجانب النفسي، بحسب المقيد، بل تمتد إلى الدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية. فقد يتراجع مستواها الدراسي نتيجة ضيق الوقت وتزايد الأعباء، أو تضطر إلى العمل لتأمين احتياجات الأسرة، بينما تتقلص مساحتها للعلاقات الاجتماعية بعدما يصبح معظم اهتمامها منصبًا على إخوتها والمنزل.
ومع استمرار هذا الوضع من دون دعم كافٍ، تحذر المقيد من تحول المسؤولية إلى ضغط نفسي مزمن قد يظهر في صورة إرهاق وتوتر وقلق وعصبية وعدم استقرار نفسي.
وقد يمتد هذا الضغط إلى قرارات مستقبلية مثل الزواج؛ إذ قد تنظر بعض الفتيات إليه باعتباره وسيلة للخروج من العبء، فيما قد تتردد أخريات خشية ترك إخوتهم.
وترى المقيد أن التعامل مع هذه الحالات لا يمكن أن يكون مسؤولية الفتاة وحدها، بل يحتاج إلى شبكة دعم تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المجتمع والمؤسسات. وتدعو إلى توزيع مسؤوليات الرعاية داخل الأسرة، وتوفير برامج للدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي، إلى جانب تدريب الفتيات على إدارة شؤون المنزل ومساعدتهن على بناء مصادر دخل مستقلة.
وتؤكد أن توفير هذا الدعم لا يخفف الأعباء عن الفتيات فحسب، بل يمنحهن فرصة لمواصلة تعليمهن وبناء مستقبلهن، من دون أن يضطررن إلى التخلي عن حياتهن الخاصة في سبيل رعاية أسرهن.
ولا تبدو قصتا راما وخلود حالات فردية في ظل العدد الكبير من الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما خلال الحرب، وبحسب بيانات نشرتها وزارة الصحة في غزة على منصاتها في 30 يوليو/تموز 2026، بلغ عدد الأطفال الأيتام 60,737 طفلًا، بينهم 52,095 فقدوا آباءهم، و5,929 فقدوا أمهاتهم، فيما فقد 2,713 طفلًا كلا الوالدين.
