أثار عدم انضمام مصر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك تساؤلات بشأن موقف القاهرة من الترتيبات الأمنية والعسكرية الجديدة في المنطقة، خاصة في ظل العلاقات الاستراتيجية التي تجمعها بالدول المشاركة في الاتفاق.
وفي هذا السياق، كشف الكاتب الصحفي والخبير الاستراتيجي المصري محمد مخلوف، في تصريحات خاصة لـRT، عن ستة أسباب رئيسية يرى أنها تفسر عدم انضمام القاهرة إلى الاتفاق، مؤكدًا أن الموقف المصري لا يعكس توجهًا عدائيًا تجاه أي دولة، وإنما يرتبط بثوابت السياسة الخارجية والعقيدة العسكرية المصرية.
علاقات استراتيجية لا تعني بالضرورة تحالفًا عسكريًا
وأوضح مخلوف أن العلاقات بين مصر والسعودية تقوم على أسس تاريخية واستراتيجية راسخة، وتشمل مجالات سياسية وعسكرية واقتصادية متعددة، مشددًا في الوقت نفسه على أهمية العلاقات التي تربط القاهرة بكل من باكستان وتركيا.
وأشار إلى أن مصر حريصة على تعزيز التعاون مع الدول الثلاث، بما يدعم أمن المنطقة واستقرارها، إلا أن المشاركة في أطر للتنسيق السياسي لا تعني بالضرورة الانتقال إلى التزامات دفاعية وعسكرية مشتركة. وفيما يتعلق بالاتفاق الثلاثي الذي جرى توقيعه في مكة، لفت إلى أن طبيعته دفاعية ولا يستهدف دولة بعينها، وإنما يركز على تطوير قدرة الدول الموقعة على التعامل مع التحديات التي قد تواجهها.
6 دوافع تفسر موقف القاهرة
وبحسب رؤية الخبير المصري، فإن عدم انضمام مصر إلى الاتفاق يرتبط بمجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية، يأتي في مقدمتها العقيدة العسكرية المصرية، التي لا تقوم على الانضمام التلقائي إلى محاور دفاعية إقليمية واسعة، بما يحافظ على عدم دخول القوات المصرية في صراعات عسكرية لا ترتبط بشكل مباشر بالأمن القومي للبلاد.
أما العامل الثاني فيتمثل في الحسابات الدبلوماسية، إذ تفضل القاهرة الاحتفاظ بمساحة متوازنة في علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، بدلًا من الارتباط بتكتل عسكري محدد، ويأتي ثالثًا الاعتماد على أدوات السياسة والدبلوماسية المستقلة، حيث ترى القاهرة أن دورها الإقليمي يمكن تعزيزه من خلال آليات التشاور والتنسيق، ومن بينها الآليات الرباعية، دون الحاجة إلى التزامات عسكرية مباشرة.

اختلاف الأولويات الأمنية
ويرى مخلوف أن العامل الرابع يتعلق بوجود اختلاف في الأولويات الاستراتيجية، إذ تتركز اعتبارات الأمن القومي المصري بصورة أساسية على الملفات المرتبطة بالمنطقة العربية والامتدادات الأفريقية، في حين يحمل الاتفاق أبعادًا أوسع تمتد إلى نطاقات آسيوية وشرق أوسطية.
أما السبب الخامس فيرتبط برغبة القاهرة في الحفاظ على حرية الحركة الدبلوماسية، بحيث تظل قادرة على التعامل مع مختلف الملفات والتحالفات وفقًا لمتطلبات مصالحها، بعيدًا عن القيود التي قد تفرضها معاهدة دفاع جماعي ملزمة.
ويتمثل العامل السادس، وفق الخبير، في تركيز القدرات العسكرية المصرية على حماية الحدود والمجال الحيوي المباشر للدولة، مع إعطاء أولوية للمنطقة العربية والبحر الأحمر والقارة الأفريقية باعتبارها دوائر استراتيجية أساسية للأمن القومي المصري.
القاهرة تتمسك بحرية قرارها العسكري
وأكد مخلوف أن مشاركة مصر في المهام العسكرية والعملياتية الدولية ترتبط، وفق ما ذكر، بالمهام التي تصدر بشأنها قرارات من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وشدد على أن القاهرة تتعامل باعتبارها دولة ذات سيادة وقوة إقليمية، وتحرص على الاحتفاظ بحرية اتخاذ القرار فيما يتعلق بالقضايا العسكرية والأمنية، بما يتوافق مع احتياجات أمنها القومي.
وفي الوقت نفسه، أوضح أنه لا يوجد إعلان رسمي صادر عن المؤسسات المصرية يحدد أسباب عدم توقيع الاتفاق، كما لا توجد، بحسب تصريحاته، مؤشرات رسمية على وجود رفض مصري معلن أو امتناع متعمد عن التوقيع.
هل تنضم مصر إلى الاتفاق مستقبلًا؟
وحول التصريحات التركية التي تحدثت عن إمكانية انضمام مصر إلى الاتفاق في المستقبل، اعتبر مخلوف أن هذا الاحتمال، وفق الصيغة الحالية للاتفاق وآليته، غير دقيق من وجهة نظره.
وقال إنه يتوقع استمرار القاهرة خارج التحالف في إطار الآلية الحالية ونص الاتفاق الموقع، مع مواصلة التعاون والتنسيق المباشر مع الدول المشاركة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
ويرى الخبير أن هذا النهج ينسجم مع توجه مصري أوسع يقوم على دعم الأمن القومي العربي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على سياسة تقوم على التواصل مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، وتجنب الانحياز أو الاستقطاب إلى طرف على حساب آخر.
وبحسب مخلوف، فإن استمرار هذا النهج يعكس ما وصفه بمبدأ الاتزان الاستراتيجي الذي تتبناه القيادة السياسية المصرية، والذي يمنح القاهرة مساحة واسعة للمناورة والتحرك في الملفات الإقليمية والدولية بما يخدم مصالحها وأمنها القومي.
