بقلم: د. سرمد فوزي التايه
عقب نشرنا للمقال الأول المُعنون بـ (اللسع الحامي للثرثرات المحببة لفراس حج محمد) بتاريخ 1/11/2025 والمتضمن ما تناوله الكاتب والشاعر والأديب فراس حج محمد في كتابه (الثرثرات المُحببة) والصادر عن دار الفاروق للثقافة والنشر في نابلس في العام 2024 بموضوعاته المتضاربة الاتجاهات، وثرثراته المُحببة وغير المُحببة، قلنا إنَّ كل موضوع قد تطرَّق له فراس ضمن هذا العمل وضمن تلك الرسائل الكثيرة التي دَوَّنها وأظهرها للعلن يصلُح لأن يُكتب عنه مُجلد، أو أطروحة دكتوراه، أو رسالة ماجستير، أو حتى في أضعف الايمان مقالة نقدية، مُستقلة، وبليغة، وزخمة، ومُكتنزة. وها نحن الآن نتطرق لواحدة أو اثنتين من النُّهُج التي راح ينتهجها هذا الكاتب "المشاكس" كما نعته كل من إبراهيم جوهر وزياد الجيوسي في هذا الكتاب في الصفحات 276، 277 ليكون وسماً خاصاً به دون سواء من خلال القضايا المطروحة ضمن عمله الجزل الغريب الذي راح يعتريه التناقض الواضح، والتضارب الفكري الصريح؛ وذلك لما جاء به قلمه صاحب المداد المتباين أيضاً؛ لدرجة أنّ القارئ قد يتيه فكره، ويحار في أمره ورأيه؛ فيصبح حيران لا يعود يعرف كيف يُصنّف هذا الكاتب، وكيف يُعطيه حقه، وأين يضعه بأي مكان، وأي رقعة، وأي قالب؛ ليتبيّن، ويتعرّف على صورته، وهويته، وشخصيته الحقيقية، ونهجه، ومنهجه البَيِّن المُبين؛ فما أن تطرَّق، وأسهب، وارتوى، وغاص كاتبنا في الأيروسية حتى قلنا عنه إنّه فاجرٌ، ماجنٌ، سافر. ثم ما لبث أن سحب البساط من تحتنا سِراعاً وراح يُحدِّثنا عن يومياته وسلوكياته التي اصطبغها بالكثير من الصبغات الدينية المحافظة المُلتزمة؛ مُكللاً إياها بأسلوب إيماني عميق، ومُجلّلُها ومُجمِّلُها بكثير الاقتباس من القرآن الكريم والسنة النبوية؛ ما يعجز عن الاتيان بما جاء به كبار مشايخ عصره وزمانه.
بادئ ذي بدء، وإذا ما ارتضينا الغوص والإبحار بين دفات هذا العمل على سبيل الطرح لا الحصر طبعاً، غير مُتناسين جُلَّ وجليل وجلال الأعمال الأدبية التي قام بإنجازها وإظهارها للعلن ثم أهدانا اليسير منها مثل (فتنة الحاسة السادسة، نسوة في المدينة، في تأمل تجربة الكتابة على هامش كتاب نسوة في المدينة، الصوت الندي، من يوميات الحرب على فلسطين، ....)، فإننا نلحظ وبما لا يدع مجالاً للشك والريبة بروز وتضخم الابتذال، والمجون، والسفور ضمن مواضيعه المطروحة التي راحت تعتلي وتعتري صفحات كُتبه ومنشوراته بشكلٍ عام، وصفحات هذا الكتاب بشكلٍ خاص وبأكثر من واقعة وموقع وبكل صراحة وإبانه وفضحٍ للمستور دون مواربة، أو استتار، أو تَخفٍّ بين السطور؛ فقد جاء في هذا المحور بدايةً وضمن هذا النهج رَدِّه علانيةً على إحدى عشيقاته ( ش. ح) التي لا أدري بالضبط أهي شخصية حقيقية أم هي مُجرَّد خيالٍ وافتراضٍ لما راح يعصف فكره وذهنه؛ فتجسدت أمام ناظريه؛ ليبني لها شخصيتها وكينونتها، ويُلبسها ثيابها وعافيتها؛ لتبدو أنثى كاملة مُكتملة له كما يُحب ويُريد وبكل أناقتها وتجلياتها! وبغض النظر عن ماهيتها إن كانت حقيقية أم افتراضية ضمن دائرة الوهم والخيال لديه، فقد وجدناه يَرُدّ عليها في قراءته الخاصة لإحدى رسائلها في صفحة 22 مُستذكراً أيامه الماجنة معها؛ ذاكراً ومُشيراً إلى كل عضو فيها! وليته اكتفى بذلك وكفى، بل راح يقول في صفحة 28: "لم أظفر منكِ بقُبلةٍ أو غمرةٍ أو لمسةٍ عدا لمس يديك النحيلتين، لم أجرؤ على أن تمتد يدي الوحيدة لأتحسّس....". وراح يذكر أعضاءها الجنسية عضواً عضواً وهو في قمة زهوِه وانشراحه! هذا ولم يكن هو وحده من راح لهذا الابتذال والوصف الفاضح والمُبتذل للأعضاء الجنسية خاصتها، بل شاركته محبوبته في ذلك! وقد ظهر ذلك عندما قال عنها في صفحة 29: " كانت تريد أن تُسمي الأشياء بأسمائها كما هي..."، وراح يذكر ما ذكرت من تلك الأعضاء صراحةً دون مواراة، أو مواربة، واستحياء.
ومن باب الاعتراف بالمجون صراحةً، نجده يقول في صفحة 47: "أصبحتُ فيها ماجناً بشكلٍ مُرعب ومُخيف". ثم راح يتحدث في صفحة 49 عن العلاقة الجنسية تبريراً وتباهياً ويقول: "مُمارسة الجنس بِحُب حتى خارج العلاقة الشرعية سيكون لها لذة النشوة غير المتناهية ما دامت الروح هي التي تطلبه". وزيادة على ذلك، يقول في صفحة 50 أنه تعرَّف على نبتة في فلسطين تسمى (الأيروس النصرانية) ليؤكد أنَّ هذا المصطلح ليس حكراً على بني البشر دون سواهم، وإنما بعض النبات أيضاً وهذه النبتة تحديداً التي تشبه فرج المرأة تعكس وجهة نظره وما يريده، ليؤكد فرضيته، فيرتاح ضميره.
من هنا، وحسب وجهة نظره وسلوكه الذي يراه طبيعياً، فطرياً لا حرج فيه ولا تحرُّج، وكفلسفة خاصة به يبدو أنه مقتنع تمام الاقتناع بما يدَّعيه ويُمارسه، نجده يقول في صفحة 103 تأكيداً لجاء به آنفاً: "الحُبّ بين شخصين هو أن يكونا أيروسيين حتى الموت". ثم يقول في صفحة 231: "الحُب شعور بالرغبة في الاتحاد والالتحام رمزياً مع الحبيب وبوابته الجسد، فلم يُخلق الجسد على هذه الهيئة دون أن يكون له دور فيما هو أهم وأعقد وأجمل". ويعود ويُؤكد وجهة نظره في هذا المضمار قائلاً في صفحة 130: "الجسد ليس عفونة يجب أن نتخلص منها، إنه بوابة الروح والامتزاج بها". لذا، فقد قام بتعريف الحُب بطريقته الخاصة في صفحة 104 قائلاً: "الحُب أن تعيش سعيداً كل لحظة، تغتسل فيها مع من تُحب، ويختلط الدم بالدم والماء بالماء، ويصبح الجسدان جسداً واحداً". ويستكمل في صفحة 105: "أرى أنَّ من تُحبها وتُحبك يجب أن تصلا معاً إلى قمة النشوة الروحية المُتمثلة بالممارسة الجنسية، عدا ذلك فإنه فلسفة خاوية من أي معنى وتفتقر إلى المعنى الحقيقي من إيجاد الخلق على هذه الشاكلة". من هنا، وعطفاً على ذلك وهو مقتنع تماماً بفعله وقوله، نستمع إليه وهو يقول لإحداهن في صفحة 81: "بي رغبة شديدة في مضاجعتك هذا الصباح، استحضر رائحة أنوثتك كما أتصورها وأنت للتو مبتلة بماء الشهوة الدافئة". ثم تراه يسترسل في الفقرة التي تليها ويقول: "بي رغبة كبرى لأسكر فيك، لأسكر كلما انغرست بلحمك، تشفيني الحمرة في أعضاءك........"، وإلى غير ذلك من صريح الوصف وتفصيل الشرح! ثم راح يختتم هذا المجون في صفحة 183: "من حليبك تُخلق ملايين الكائنات، وتتفتح بضحكتك الأزهار، وتتشبع بشهوتك شهوة الآلهات والحوريات، يا لك من امرأة بحر لذة لا ينتهي، وبركان شهوة لا عاصم منه إلا به".
وإمعاناً منه في الانغماس في اللذات والشهوات دون أن يُبالي بحُرمة دين، أو يترفع إتباعاً لأعرافٍ أو تقاليد، أو يتستَّر ويستتر بسبب ما حلّ به من بلاءٍ وابتلاء، نجد أحاديثه التي ما زال يخوض ويغوص بها في العبث والفسوق طافيةً على السطح دون أن يحسب أي حسابٍ لحياءٍ، أو خجلٍ، أو تقوى ولأيٍ كان! فنجده يصدح بحديثه الصريح غير المضبوط ويقول في صفحة 183: "تراوديني عن فمي المعطوب بالقبلة المُشبعة المُحتدمة، وتتأبين عليّ في مساء مُفخخ باشتياق رؤيتك عارية كقطعة ماس مُبتلة بماء الشهوة الحارقة، فيا لله كم أشتاق رائحة ........"، ويستكمل بكلامٍ ووصفٍ مُبتذل، وبصورةٍ فاحشةٍ فجّةٍ عازياً ذلك إلى طبيعته الوحشية- حسب اعترافه- وذلك عندما قال في نهاية صفحة 222: "كم أنتِ امرأة شهية، بعيداً عن حشري بقائمة الذكور والنسوية، في لحظة أنسى من أنا، وأرتد إلى طبيعتي الوحشية غير المُهذَّبة، وأفكّر في افتراسِكِ دون أدنى رحمة.... لا أرى إلا الشياطين تؤزني أزاً لآخذك دفعةً واحدةً دون مُقدمات".
لم يكتفِ كاتبنا بالإبحار في علاقاته الواقعية، ولم يستكفِ بما روادته عنه نفسه بالحديث النظري أو التطبيق العملي لما كان يريد ويشتهي من عالم النساء الواقعيات، بل راح يغوص في بحور علاقاتٍ افتراضيةٍ دون أن يخشى البلل، أو يخاف من الغرق؛ فكيف لمُبتلٍ من الواقع الحقيقي أن يخاف من البلل في الواقع الافتراضي! فها نحن نستطلعه عن قُرب وقد راح يتحدّث ويبوح لقارئيه جهاراً نهاراً دون استحياء عن الكثير من مُغامراته بهذا الصدد؛ فنتحسسه وهو يروي لنا عن واحدةٍ من مغامراته مع واحدةٍ من معشوقاته في الصفحات 162 و163: "أخبرتها أنني مللت من العلاقات الافتراضية، وأنني أرغب في علاقةٍ حقيقيةٍ مع امرأةٍ حقيقة. اتخذتُ الموقف ذاته مع امرأةٍ اجنبية كانت ترغب في إقامة علاقة معي في "تويتر" ورفضتُ ذلك جملةً وتفصيلاً". ويُكمل: "لم أتبين في الحقيقة هدفها من التَّعرف إليّ. هل كانت تريد صداقة أم كانت تريد تزجية الوقت بالحديث والممارسة الجنسية الافتراضية، هي لم تكن تعلم أنني مُتخم من العلاقات الافتراضية إلى حد القرف، لكنني رغبت في امتحانها لأكشف عن أهدافها، طلبت منها رويداً رويداً أن تتعرى بالكامل وتمارس شهوتها كأننا في السرير".
وحتى يَشعُر هو، ويُشعِر من حوله أنَّ ما يقوم به أمر طبيعي فِطري تطلبه النفس البشرية الذكورية والأنثوية على حد سواء، وحتى يُعطي لنفسه أوسع مساحةٍ من التبرير لهذه المثلبة وهذا الشأن الشائن دون أن يدخل في دوامة تأنيب الضمير أو جلد الذات، نسمع نبض قلمه وهو يتحدث في صفحة 94 عن الأيروسية، والإباحية، والكُتاب الذين اهتموا بهذا الشأن، وكانوا قدوة له فسار على نهجهم؛ فقد عمد إلى تِعداد وذِكر كل من كان له باع أو ذراع في هذا الشأن؛ فذكر كل من جورج باطاي، وبوكوفسكي، وبابلو كويلو، وتوني مغاوير، وعمرو بن كلثوم، وأبي نواس، ومي زيادة. وكأن هؤلاء مناراتٍ يُنظر إليهم بعين الاحترام، والتوقير، والتبجيل. هذا ولم يكتف بهذا الذِكر لهؤلاء الكُتاب والأدباء فحسب، حتى عاد يُبرر ويقول في صفحة 95: "إنَّ من يتابع أخبار التّحرّش في أوساط الفنانين، والسياسيين، والمثقفين، يُدرك تماماً أنَّ الرجل هو الرجل وهي طباعه المفطور عليها في امتقاعه بماء شهوته، ليظل عبداً لعضو قبيح". ويقتبس من ذلك ما قاله جورج باطاي وعلي بن أبي طالب القول: "تُطلب المرأة لأقبح ما فيها". ويختم هنا بالقول في صفحة 100: "لا أحب أحداً أن يكون وصياً على كتاباتي، يُوجهني ويقودني على هواه بدعوى التقوى....، أحبُّ أن أشعر بالحرية، حتى لو كانت حرية موهومة".
وعن دمج وتلقيح العمل الماجن الذي يتحدث به ويكتبه مع الأدب البليغ الذي هو ضليعٌ به ويمارسه، ويعشقه حتى النخاع، نتكشف أنَّ حياته صارت تتذبذب صراحة وبكامل إرادته بين طلبه وعشقه للجنس، وبين العمل الأدبي الغزير المتدفق من قلمه وقلبه وعقله على حدٍ سواء دون هوادةٍ، أو عوائق، أو معيقات. وكأنهما- الجنس والكتابة- في حياته توأمان لا انفضاض، ولا انفصام لأحدهما عن الآخر، ولا حدود بين هذا وذاك! وكأن كل واحدٍ منهما يُعطي الطاقة والوقود للآخر ليجعل صاحبهما يُبحر بطريقته الخاصة، ويصل إلى الشاطئ الذي يُريد. وتأكيداً لهذه الرؤية وهذه الفلسفة، نقرأ له في صفحة 89 القول: "لولا الحرية لم توجد كتابة ناضجة، فأدبنا الحديث في مجمله يُعاني من الإعاقات والتشوهات الفكرية نتيجة تلك الأفكار التي تحصر الكاتب في خانة المُقدَّس الوهمي الذي يُفتت الأفكار ويجعلها رماداً لا تنفع أمّة ولا تُغيِّر مُجتمعاً". ويكمل في صفحة 230: "ربما لم يُعجبكِ أنني أشتهيكِ، وأطلب ممارسة الحُبّ معكِ، وتخافين من ذلك. لماذا تخافين من الكتابة إليّ وممارسة الحُبّ معي؟ فهل ستجعلك الكتابة هامشاً وحواشي كما توقعتِ. إنكِ أهم متنٍ في مشروع الكتابة، فكيف تتحولين إلى حاشيةٍ هامشية".
ومع كل هذا، إلا أنه ومن غريب طباعه، ما فتئ يُبرر لنفسه هذه الأفعال التي تستهويه ويستنكرها على غيره، ليبرز هنا تناقض الدوافع، وتباين الأهواء. ولو بقي على حاله، لقلنا إنه مُبتلى وكفى. أما أن نجده يُنكر على غيره ما يقوم به، فهذا جِد غريب؛ فقد انتابنا ما جاء به في الصفحة 92 عندما قال: "هزني بعنفٍ كبيرٍ من داخلي ما علمته من تطور العلاقة بين صديقي الشاعر وحبيبته المتزوجة التي عَرفتُ أنها تُمارس الجنس معه تاركةً بيتها وعملها وأولادها". ويكمل في الفقرة التالية عاملاً على تقديس نفسه وتنزيهها من هذا العمل المشين فيقول: "أعرف أنني أفكر فيكِ بجنون، ولكنني لن أقدم على أن أكون سبباً في شعور شخص آخر بالألم والخديعة". وبسبب هذا الحُب الجارف من هذا العاشق المجنون - على حد زعمه- يُبرر ذلك قائلاً: "خوفي عليكِ مني، وخوفكِ مني، وخوفي من نفسي حتى وأنا أتخيلكِ في وضع جنوني ما. أحاول أن أقتل المُحبّ المهووس في داخلي، أسعى إلى إعدام العاشق المجنون". ويُنهي: "أخجل من نفسي من كل تصور سيئ مَرّ في فكري". هذا وقد اكتشفت محبوبته هذا التناقض في سلوكه وحديثه، فقالت في رسالتها له في 18/7/2018 في صفحة 93 فقالت: "هذا التَّحوّل في مفرداتك من رسالة إلى أخرى يُربكني، بل يُوقعني في مأزق التذبذب بين حالاتك الشعورية".
أما عن الصور وتعلّقه بها، وتوظيفه إياها في هذا المضمار، فحدِّث ولا حرج. فقد أسهب إسهاباً كبيراً في هذا المضمار، إلا أنه لم يصل إلى ما وصل اليه كما في جاء كتابه (فتنة الحاسة السادسة) والذي تحدَّث فيه بكل ما أوتي من قوة وعزم عن هذا الموضوع وهذه المثلبة دون أي ساترٍ أو حجاب. وإذا ما استعرضنا ما جاء به هذا الكتاب بهذا الصدد، نراه يقول في صفحة 222: "عندما أرى صورتك وهي واصفة لكل هذه الجمال الذي لا يُقاوم، يُشعرني بالجوع اليكِ، كأنني لم أجرِّب النساء قط، ولم أتذوق لهن طعماً قبل ذلك". ثم يقول في الفقرة التي تليها من نفس صفحة: "أخشى أن تُحولني الصور إلى مُراهق مُتهور لا يبحث إلا عن مُتعة النظر، أخشى أن أموت ولا أتذوق لكِ طعماً". وفي الفقرة التالية: "أراكِ في كل صورة أجمل وأشهى وألذ، أنتِ تُفقدينني مُتعة السيطرة على نفسي وعلى لُغتي، وترفعين درجة حرارتي، وأصاب بالارتباك، كأن لسعة من كهرباء ضربتني، أو أنَّ مَسّاً من الجنون تلبَّسني". ومن باب التبرير الذي يبدو مُقتنعاً به تمام الاقتناع، نقرأ له وعلى لسانه في صفحة 58: "يقولون أنَّ هناك علاجاً بالكتب، وعلاجاً بالعقاقير، وعلاجاً بالإبر الصينية، وعلاجاً بالسحر، وعلاجاً بالرقية، ونسوا أن يتحدَّثوا عن العلاج بالحُبّ وعن العلاج بالصور". وهنا نستمع إليه مُعاتباً لإحدى محبوباته في صفحة 59: "أخذت هذه الصور باسترجاع ذلك الحنين الراسخ بالنفس، ... كنتِ قاسية جداً وأنتِ تُقدّمين لي الكأس وصورته دون أن يُتاح لي أن أشرب منه ولو رشفة واحدة". ومع كل الذي أدلى به، نلمحه وهو يعود إلى تناقضه مرة أخرى ويتحدّث عن الصور، وأنها لا تُثيره ولا تُثير غرائزه لأنه يملك الرصيد الكافي الذي أصابه بالتُّخمة منها، فيقول في صفحة 163: "لكنها لم تُثرني إلى ذلك الحد الذي يمكن لامرأة شبقة أن تُثير رجلاً أربعينياً مثلي مًفخّخ بصور النساء وروائح شهواتهن". واستكمالاً يقول في صفحة 181: "أفتّش في رسائلكِ القديمة أقرأها واحدة واحدة، أتعثر بصورةٍ شهيةٍ لكِ، يا إلهي، ما أجمل تلك الصورة. كانت بلا شك صورة أدخلتني في الهستيريا من جديد، مشاعر لستُ أعرف وصفها، تأملتُها كثيراً وكثيراً ". ثم يُكمل في صفحة 182: "كم تمنيتُ ساعتئذ أن أكون معكِ في تلك الصورة، وفي تلك الوضعية، وأغرق فيك، لآكلك، وأتذوَّق طعم شفتيك و.....، وكل خلية من جسدكِ، كم تمنيتُكِ هذا اليوم لي! هذا جعلني أكثر استفزازاً واضطراباً وجنوناً، ذهبت إلى الحمام مرتين لأتخلص من جنون شهوة ركبتني، ولم أهدأ بعد". ويستكمل في الصفحة 164 وبتخطيط استراتيجي قد يرى النور أو لا يراه: "هذه الصورة مع صور أخرى غيرها للنساء الأخريات ممن أحتفظ بصورهن العارية جعلتني أفكِّر في التخطيط لعمل معرض فني من هذه المادة الطريفة".
وفي اعترافه الصريح بهوسه بصور الفتيات وخصوصاً الفتيات العاريات، أو شبه العاريات، أو المتبرجات يقول في صفحة 211: "منذ زمن لم أشاهد لك صورة، إني مُتعلّق بالصور إلى حدّ الهَوَس، على كلٍ هذه مشكلة قديمة لا حل لها على ما يبدو". وهنا نؤكد ونقول إن هذه المشكلة لديه بالتأكيد لا حلّ لها، والدليل على ذلك كتابه (فتنة الحاسة السادسة) وما أتخم به بداية، وما جاء به هنا في كتابه الذين بين أيدينا -الثرثرات المحببة- قوله في صفحة 230: "ما زلت مُنتظراً تلك الصورة الموعودة، فلحمُكِ الشهي يُثير فِيّ جنون الحُبّ والشهوة واللذة أيتها الجميلة الطاغية في اشتهائها واحتدام جنونها". ولتأكيد ذلك يقول في صفحة 233: "هل ستسعدينني ببعض صوركِ الشهية وأنتِ في باريس؟ يُسعدني ويُبهج خاطري مرآك وأنتِ في كامل أناقتكِ وجنون شهوتكِ التي أحبها وأتوق اليها".
وفي تشخيص مُبكر أو مُتأخر لما بات يُعاينه حج محمد، ويعتني به في الواقع حتى صار يجتاحه ويراه في مناماته وأضغاث أحلامه، نلحظ أن معضلته صارت جلية واضحة للعيان وذلك من خلال نصوصه وكتاباته هو عن نفسه. وأنّ ما بات يدَّخِرُه ويختزنُه في عقله الباطن، يرتدُ إليه لا محالة بوعيه أو دون وعيه سواء أكان واعياً بذلك أو غير واعٍ. وهذا ما شهدناه بالضبط وقرأناه في صفحة 107 حينما قال: "أخذتني سِنة من النوم......، رأيتك بكاملك، قامتك المكتنزة، تهفهف في ملابس شفافة وردية، تتخايل منها أعضاؤك، ....... مددت يدي أتحسس وجهك، أغمر وجهي في.....، يسيل ماؤك وترتعشين". ويستكمل في مشهد آخر: "في هذه الليلة التي قضيتها برفقتي أو قضيتها برفقتكِ- يتحدث عن رؤياه في المنام-، لم يفارق ...... يدي، يا له من كائن جميل! طير ناعم وشهي، ما زالت صورته حاضرة في كل وعيي الشقي وأنا أكتب لك عن هذا المشهد، ما زال حياً وحرارة ... وحجمه وحجم .... ما زالت قادرة على تبيانهما وبقدرة فائقة". وإمعانا في ذلك الفعل الذي صار مهوساً ومهجوساً به، يُخبر معشوقته في صفحة 194: "على مدار الأيام السابقة حلمت بكِ وحلمت بنساء أخريات، أصحو من مناماتي مهجوساً بكِ. ضاجعتكِ وضاجعتهن في تلك المنامات". ويختتم حديثة عن الاحلام آملا أن يُجسده على أرض الواقع، فيقول في الفقرة التالية من نفس الصفحة: "أفكر أنني لن أعود إليك إلا إذا كان لقاء المصالحة بيننا على مائدة شهية طويلة نتناول معاً أجسادنا بكل عنفوان".
وبرغم ما اعتري هذا الكاتب من إشكاليات، ومتاعب، ومصائب طالت حياته الخاصة بسبب سلوكياته التي تكاد تكون مرفوضة اجتماعياً في أرجاء البيئة والمجتمع التي ينتمي وننتمي لها، حتى عرجت به على سائر يومياته وأيامه؛ منها ما كان من التأثير السلبي على وظيفته ومصدر رزقه الذي يقتات وعائلته منها، والتي كاد يخسرها؛ فتودي به إلى الهاوية. فنجده يقول معترفاً بما حلّ به نتيجة لما يقوم به بهذا الصدد بالقول في صفحة 88 في إحدى رسائله لعزيزة غالية على قلبه: ".... إلا إنني أتحدث عن..... والجلود، وما زلت لا أزور مدارس البنات منذ آذار 2013 وحتى آخر هذا العام الدراسي، لقد فقدت بسبب هذه التقوى البائسة أصدقاء كثيرين، وعاداني الأنبياء والقديسون الجُدد، وامتنعت عن محادثتي وصداقتي صحابيات جليلات......". ويردف: "أصبحت شاعراً، فاجراً، فاسقاً، ماجناً، كافراً، ميؤوساً مني". وعطفاً على ذلك، وكأنه صار يعاني العُزلة والوحدة والنظرات المُستنكرة لما يقوم به ويُمارسه جهاراً نهاراً من خلال كتاباته المنشورة دون خوفٍ، أو وجلٍ، أو استحياء وهو مُقتنعٌ تماماً بفحوى الحديث الشريف الوارد في صحيح الإمام أحمد أن (الاثم ما حاك في صدرك وخشيتَ أن يطلع عليه الناس). وطالما أنه لم يخشَ أن يطلع على ما يقوم به الناس، فهو إذاً ليس بآثم ولا صاحب خطيئة. ومع كل هذا، ومع ما ظل يعتريه من العواصف الهوجاء التي راحت تعصف به، يقول على هيئة الاستسلام في صفحة 92: "فليسعني بيتي، ولأبكِ على خطيئتي، بل على خطاياي التي ليس لها حد".
من ناحيةٍ أخرى، ومن الجانب المُغاير تماماً، ومن الزاوية الأكثر إشراقاً في حياة، وكتابات، وأدب فراس حج محمد، نرى الوجه الآخر والوجهة الأخرى لنهجه ومنهجه الذي قد يكون مختلفاً تماماً لما عُرف عنه في كتبه وكتاباته الكثيرة، وثرثراته التي لا تنتهي ولا تخلو من الأيروسية، والإباحية، والمجون بشكل أو بآخر؛ فالمُتبحِّر بكُتبه على وجه العموم، وبكتاب الثرثرات المُحببة على وجه الخصوص، يجده يتحدث ويُسهب عن الدين، والتَّدين، والمشيخة، والشيوخ. ويراه يقتبس كثيراً من آي الذكر الحكيم، والحديث الشريف حتى لا يكاد يكون موضع إلا ويتناول به هذه الوجهة وهذه الطريقة والتي أجزم أنها جزءٌ أصيل من تركيبته، وفلسفته، ومُعتقده الراسخ الذي لا يترنح ولا يتزحزح. وإذا انتابتنا الحيرة، وأصابنا الاستغراب في ذلك، فلا بد لنا من العودة إلى تاريخه الذي ذكره هو بكتاباته، والذي تعرَّض فيه غير مرة إلى هذا المخزون القابع في عقله وفؤاده، وراح يُقّلبه بين الفينة والأخرى، ويُظهره على رؤوس الأشهاد وهو في ذلك من الراضين الواثقين بأنفسهم وبما يقولون.
عند الغوص في المُكتنز المكنوز من ذاكرة فراس طويلة الأمد والمُتعلقة بالجانب الروحي من حياته، نجد أنَّ جذور هذه الظاهرة تعود لعلاقة قويةٍ، متينةٍ، قديمةٍ مع حزب التحرير الذي انتمى له وهو في ريعان شبابه- كما ذكر في الكثير من كتاباته-، فقد رأيناه يقول في هذا المضمار في صفحة 66: "أتذكر عندما كنتُ مسؤولاً في حزب التحرير، هذا الحزب المُفترى عليه كثيراً، كنتُ تلقيتُ الإسلام تلقياً عقلانياً صرفاً، ثم درسته في حلقات الحزب بطريقةٍ عقلانيةٍ جداً لمدة تزيد عن عقد ونصف". وهنا يتضح لنا أمره لنلحظ السبب البَيِّن لهذه النزعة الدينية التي راحت تراوده بين الفينة والأخرى، وتطغى على سلوكه وكتاباته المُتعددة وفي شتى الميادين وأروقة العمل الأدبي الإبداعي. ورغم مكوثه وانتمائه لحزبه لأكثر من خمسة عشر سنة على حد زعمه، وقد هجر الحزب وابتعد عنه طواعيةً وبكامل إرادته، إلا أنه يذمّ في موضع آخر ظاهرة الشيوخ غير العقلانيين، فنراه يقول في صفحة 65 في معرض حواره مع زملاء العمل عما يقوم به ويعمل به مشايخ عصره: "لم يُخرب الدين كما خربته طائفة من الشيوخ، فهم يستعبدون أفكارنا بأحاديث غير معقولة". ويستكمل في صفحة 66: "هؤلاء الدعاة، دعاة ضلال وتنفير، لا دعاة هداية وتبشير، لأنهم لا يعتمدون إلا على الخزعبلات والتخاريف والأوهام".
ورغم ما حصل وتحصَّل عليه فراس من الإرث الإسلامي، وتشبُّعه بالروح الدينية والعقيدة النقية بسبب انتمائه لحزب التحرير، ولسببٍ أو لآخر، نجده قد عاف وترك حزبه وتنظيمه وراح يبحث ويُفتِّش عن البديل الذي يتماشى مع أفكاره الجديدة وميوله المعاصرة بعد حالة النضوج التي حلّت به ووصل إليها. إلا أنه لم يصل إلى ما كان يرنو ويتوق إليه؛ فقد اكتشف سريعاً أنَّ كل الأحزاب السياسية والدينية سواسية من أقصى يمينها إلى أقصى يسارها، لا فضل لأحدها على الآخر. وقد ظهر هذا الرأي عندما قال في صفحة 219: "أنا أحب الشيوعيين واليساريين، واحترم مناقشتهم العقلية وإن اختلفتُ معهم". ثم يُعَرِّج ويقول في صفحة 148: "بعد أن جربتُ الانتماء للأحزاب الإسلامية، وها أنا هذه الأيام في تجربة جديدة - الأحزاب اليسارية-، ومع أنني أحياناً غير مُتشجِّع لذلك، فأسال نفسي عن هذه التَّحوّل وما الهدف منه، لا أراني شغوفاً بالتجربة، ففكرة الانتماء للأحزاب السياسية خطرٌ كبيرٌ على الكاتب".
وتأكيداً لتخوُّفه من الانتماء للأحزاب اليسارية وعدم تقبُّله لها يقول في صفحة 172: "كنتُ في رام الله للمشاركة في المؤتمر الرابع لفدا.... لم أستسغ النوم في المكان ولا المشاركة في أعمال اليوم الثاني، كانت نقاشات اليوم الأول نقاشات عقيمة وسيئة. لا شيء مهم فيها، شدٌّ وجذب، وصراعات، وكولسات، ومنافسات على عضوية اللجنة التنفيذية ومنصب الأمين العام..... لا ناقة لي ولا بعير في كل ذلك". ويختم حديثه بصفحة 173: "هي هي العقلية الحزبية المقيتة التي لن تتغير أبداً".
وعن التناقض الذي اعتراه أثناء أرجحته بين الأحزاب الدينية والأحزاب اليسارية فيقول في صفحة 114 مخاطبا حبيبته اليسارية: "كأنكِ تقولين ما علاقتك بالأمر؟ هل أصبحتَ يساريا مثلي؟". فيرُدُّ عليها هو: "هل أنتِ يسارية؟ يا لها من فكرة عظيمة، يساري من أصول دينية يُحب شاعرة يسارية مُتوغلة في اليسار". وفي خلاصة الموضوع، وما توصَّل إليه في هذا الجانب، يُجمل ويقول في صفحة 148: "لقد رحمني الله عندما خرجتُ من حزب التحرير، ولكني لم أرحم نفسي عندما دخلتُ في حزبٍ آخر، فأنا لا أتقن العمل الحزبي، ولا أجد جدوى منه، فما هو إلا عبث على عبث، ويرمي بنا في أغوار المجاهيل، ولن تفيد أحداً؛ لا وطناً، ولا مواطناً".
من جانبٍ آخر، وبعيد عن الأحزاب والانتماء لها سواء أكانت أحزاب دينية أو أحزاب اشتراكيه يسارية، نجد أنه ما زال مُحتفظاً ومُحافظاً على بذوره المُكتنزة في وجدانه والمُتمثلة ببُغضه وابتعاده عن الإلحاد، وحُبه للقرآن الكريم، والسنة النبوية، والرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مهما اعتراه من شطحاتٍ حزبيةٍ أحياناً، أو خروجه عن السِّكّة والطريق القويم، واعتلائه منابر الأيروسية، والسير على نهجها بالكثير من كتاباته الأدبية، فنراه يقول في صفحة 125: "إنَّ فكرة الإلحاد بحدّ ذاتها فكرة ساذجة جداً، لذلك لم تكن لتؤثر في أفكاري كثيراً أو قليلاً، فما يُضير الخالق أن ينفي وجوده فيلسوف، أو شاعر، أو عبقري. هي أزمة فِكر بلا شك". ثم يقول في صفحة 219: "لا تظني أنني أحمل أفكار إرهابية مُنغلقة، لكنني أحبّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم حُباً جماً والله، وأكره كل من يرميه بسوء، أو أن يتحدَّث عنه بحديثٍ غير منطقي وغير موزون، وأمقت كل من شتمه وسبَّهُ". واستكمالاً، وفي معرض حُبِّه للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، نرى أفعاله وأقواله تُعبِّر عما جاء به هواه، وما راح فِكرُهُ يقوده إليه ويتمناه؛ فقد لاحظنا هذا السلوك الفطري لديه يتجلى في رسالة لعزيزة غالية عليه في 20/11/2018 في صفحة 141 وهو يُهنِئها بذكرى عيد المولد النبوي، وفي رسالةٍ أخرى بتاريخ 17/4/2021 في صفحة 193 يُهنئ إحدى محبوباته أيضاً بشهر رمضان المبارك ويقول لها: "أسعدتِ صباحاً وحُباً، وكل عام وأنتِ بخير. شهر صيام مبارك". ويعود ويُهنئ أخرى بذكرى المولد النبوي الشريف بصفحة 229 في رسالة بتاريخ 21/10/2021 ويقول لها: "كل عام وأنتِ بخير، لقد احتفلنا بذكرى المولد النبوي الشريف، فمنحتنا السُلطة يوم إجازة".
أما عن حالة الضعف التي كانت تعتريه بين الفينة والأخرى كونه آدمياً قد يتعرض للمرض، أو الهمّ، أو الغمّ، أو الكَمَد؛ فيعود بفطرته السليمة إلى خالقه ويُناجيه ويطلب منه النجاة. فنستمع إليه قائلاً في الصفحات 176 و177: "واجهتُ حقيقة أنني شرّ الناس فعلاً في فترة مرضي الأخيرة، يوم من المرض الشديد منعني الأكل، والشُرب، والقراءة، والكتابة، والتواصل مع الأصدقاء، والتفاعل مع منشوراتهم. ما أزعجني حقيقة ليس المرض بحدّ ذاته، فهي ليست المرة الأولى التي أمرض فيها مرضاً مُؤلماً كهذا...... ما آلمني شعور أنَّ الله قد تَخلّى عني، ولم يعد يسمع دعائي، ولا يلطف بحالتي، ولا ينظر إليّ بعين الرحمة والرأفة، أنا العبدُ الفقير جداً إلى الله، هذا العبد الذي لمس حُبّ الله في أكثر من موقف في كل فترات حياته، منذ الطفولة وحتى الآن، كثيرة هي الأزمات مرَّت بي؛ صحية، واجتماعية، واقتصادية. ولكنني لم أكن لأضعف، لأنني كنتُ دائماً أحسُّ أنَّ الله معي ويرعاني". ويستكمل في الفقرة التالية: "بكيتُ بكاءً حارقاً مُرّاً ليس من المرض، ولكن لأني فقدتُ القدرة على المقاومة، ولماذا فقدتُ القدرة على المقاومة؟ لشعوري الحاد أنَّ الله قد تخلّى عني، ينظر إليَّ مُتألماً ولا يستجيب لدعواي. هنا بكيتُ، وجأرتُ، واستجرتُ، وخفتُ خوفاً مُضاعفاً، لا شيء سينفعك لو تخلّى الله عنك، وكل شيء حتى شربة الماء سيصبح دواءً ناجعاً لو كان الله معك".
أما عن الموت والشعور بالضعف والخوف أمام الله، وقبوله وتقبله لفكرة الموت فيقول في صفحة 2018: "لن أكون شيخاً ولا واعظاً، فالموت لا بد منه، طال العمر أم قصر، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فمن عاش اليوم سيموت غداً أو بعد غد". ويقول في الفقرة التي تليها: "لا أحبُّ أن أكتب عن الموت، بل إنني أنساه وأتناساه على الرغم من أنني أراه يومياً من حولي، ...... لم أعد أحفل بالموت لا من قريبٍ ولا من بعيد، فليأتِ في أي وقتٍ، وليأخذ من شاء، فمن كانت آخرته التراب، فله التراب وحسب، ...... كل حي منا يؤدي دوراً مرسوم له، وعندما ينتهي دوره، ينزل عن خشبة المسرح، ويأتي غيره من الممثلين، فلا بقاء إلا للخشبة، أما الممثلون فكلهم راحلون".
كل الذي ظهر آنفاً عن النزعة الدينية المتأصلة في فِكر فراس، وجوهره، ومظهره، والذي رضعه مع حليب أمّه كونه وُلد وترعرع في بيئةٍ إسلاميةٍ مُحافظة، ثم ما نهله وارتوى به من مَعين وكأس حزب التحرير الذي انتمى إليه مع خطواته الأولى في حياته قبل أن يتم فطامه بإرادته، ويتنحى عنه بمشيئته هو السبب في تلك الصبغة التي اصطبغها في هذا السياق والتي عملت على صقله بهذه الكيفية لنراه يُمعن في الحديث، والسلوك، والتَّصرف، والكتابة بالطابع والقالب الإسلامي المحض لتراه مُفاخراً بقُربه من القرآن العظيم والسُّنة المحمدية تعلقاً، واقتباساً وسيراً عن نهجه القويم. ما انعكس على آرائه، وكتاباته، وأدبه دون إخفاءٍ أو استحياء. وقد بدا هذا وهو يخاطب محبوبته في صفحة 69 قائلاً لها: "هل سبق وأن قرأتِ القرآن كاملاً؟ لا أعتقد ذلك، فأنتِ لستِ من أهله ولا من خاصته، .... لا أثر يدل على أنكِ قرأتِ القرآن". ويقول في نفس الفقرة: "أنا كنتُ قبلكِ شغوفاً بالقرآن وبقراءته وتأمله، هذا أمرٌ تم القضاء عليه قضاءً مبرماً بسبب أنكِ سلبتِ مني حريتي". ثم نجده يعود للحديث عن القرآن وتمجيده في نفس الرسالة ونفس الصفحة ويقول: "القرآن أكد فعل الحرية للبشر، ومنح النفس أقصى مشتهاها، ولم يحل بينها وبين شهوتها وممارسة أفعالها بحرية إلى درجة الاستعباد التام!". ويستكمل في الفقرة التي تليها: "القرآن الكريم حرّر العقول والنفوس والأرواح وربطها بالمنطق الكوني". وفي الفقرة التالية: "لاحظي المساواة اللغوية -والحديث عن القرآن-، المساواة في الجُمل، المساواة في التركيب، وفي عدد الكلمات". ويختم حديثة بالقول مدحاً وتمجيداً في هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: "اللغة في القرآن ذات هندسة عجيبة".
أما عن الاقتباس من هذا الكتاب العظيم فحدِّث ولا حرج، واستزد بالحديث كما استزاد فراس نفسه ولم يبخل بذلك في شيء حتى راح يفتح هذا الباب على مصراعيه دون حدودٍ أو قيود؛ وقد ظهرت اقتباساته من هذا المصدر الرباني كثيراً في هذا الكتاب خصوصاً وفي جميع كتبه عموماً. وهنا نذكر من هذه الشذرات ما قاله وما اقتبسه بالقول ما جاء في صفحة 50: "إنك لن تستطيع معي صبراً". وفي صفحة 57: "صار الكون أضيق من سم الخياط". وأيضاً في صفحة 60: "صحيح أن الأعمال الأدبية ليست
إعجازية، وأنه لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها". وفي صفحة 88: "إنا وجدنا آباءنا على أمةِ وإنا على آثارهم مقتدون". وأيضاً في صفحة 95: "يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكما من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما". وفي صفحة 99: "ليتني كنت نسياً منسياً"، وفي صفحة 163: "وقد أفضى بعضكم إلى بعض"، وفي ص 198: "والليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون". وكذلك في صفحة 199: "وإن من شيء إلا يُسبِّح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم"، وأخيراً وليس آخراً في صفحة 222: "لا أرى إلا الشياطين تؤزني أزاً".
من هنا، نرى أنّ البعد الديني كان دائماً حاضراً في كتاباته، إلا أننا نشهد خلطه طقوس الحُبّ مع الطقوس الدينية، فتمتزج بطريقه غريبه قد لا نجدها حصراً إلا عند فراس حج محمد دون غيره من الأدباء والكتاب في عصرنا! وقد تلمّسنا ذلك بصفحة 37 عندما قال: "إنها تقترب من الرابعة صباحاً، واستعجلتُ تناول سحوري في الغرفة، ثمة أفكار تُلحّ عَليّ، أردتُ أن أكتبها لكِ وقد تهيأتُ لذلك، فقد اغتسلتُ استعداداً لهذا اللقاء.... قررتُ أن أكتب اليكِ بعد أن أغتسل، ثمة طقس احتفالي أحبُ الدخول إليه وأنا أخط لك رسائلي". ويستكمل في نفس الصفحة: "ثمة مصباح يُطل من نافذة الغرفة، يُذكرني بوجهك البهي، وثمة سكون يُخيم على الكون ما خلا صوت القرآن الذي يملأ اللحظة رهبة وجمالاً، ويغمر النفس قداسةً وحباً وطهارة ". وبذات السياق يقول في صفحة 234: "فبركاتي– كوني شيخاً سابقاً- ستحلُّ عليكِ أيضاً، وليس كتلك البركات التي يُريدها بعضهم، وتحمل معنى أيروسيا كما قلت". ويقول في نفس الصفحة: "فثمة شوق في الحنايا لا بد من أن يُطفأ في مرجل الحُبّ والوصال واحتدام الشهوة واضطرامها في لحظة صوفية". وحتى وهو يتحدث عن الأيروسية نراه يُقحم الاقتباس من القرآن في هذا الشأن، وقد بدا ذلك في نهاية صفحة 59 حينما قال: "لم تكن الصورة مُجرد صورة، بل كانت دافعاً للغة أن تأخذ زينتها عند كل جملة تُكتب، وعند كل بيت شعر يُخلق، وعند كل سرد من حكاية تُروى في الأساطير والكتب الخالدة".
هنا، وفي الختام لهذا المقال بهذا المقام، ومن خلال استعراض لجزءٍ يسير مما جاء به فراس بين رحى هذه الصفحات في هذا الكتاب، والذي آمل أن أكون قد وُفقتُ بتشريحه بصورةٍ أدبيةٍ محضة بعيدة عن القدح، والذَّم، والاتهام، والتوبيخ من جهة، وبعيداً عن المدح، والرياء، والإطراء، والنفاق والمُخادعة من جهة أخرى. وإنني أجد نفسي هنا أقف على مفترق طريقٍ عَبَّدَه صديقي فراس حج محمد على طريقته الخاصة ثم جعلني أقف حائراً، مُحتاراً، مُرتبكاً، مُوجهاً سؤالاً عريضاً برسم الإجابة لي وله ولجمهور قراءه الكثر أن: كيف يستقيم التَّدين، والتقوى، والصلاح بمظاهره وأركانه المختلفة من صلاةٍ، وصيامٍ، وسحورٍ، وقراءة قرآن، واقتباسٍ منه ومن السيرة النبوية العطرة مع الفُحش، والفجور، والرذيلة، والأيروسية في الكتابات الأدبية؟ وكيف ومتى يستقيم الظل والعود أعوج كما قال الشاعر عبد الرحيم اليماني، ومن يصلح الملح إذا الملح فسد كما قال الشاعر أبو سفيان الثوري.
