غزة/ البوابة 24 - سماح شاهين
لم تكد م. خ. تستوعب رحيل زوجها حتى وجدت نفسها تواجه خوفًا آخر؛ أن تفقد ابنتها أيضًا. في غزة، حيث يترك الموت وراءه أطفالًا بلا آباء وأمهاتٍ مثقلات بالفقد، لا تنتهي الحكاية عند لحظة الوفاة؛ أحيانًا تبدأ بعدها معركة صامتة حول من يرعى الطفل، ومن يدير ماله، ومن يضمن أن تصل إليه المساعدات المخصصة له.
بالنسبة إلى م. خ.، لم تكن هذه المعركة مجرد إجراءات وأوراق، بل طريقًا شائكًا يفصلها عن طفلتها التي تحاول استعادتها.
تقول م. خ. لـ«البوابة 24» إن زوجها استشهد في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لتجد نفسها بعد وفاته أمام خلاف مع عائلته حول رعاية طفلتها. وتضيف أن عم الطفلة تولى إجراءات الوصاية، وإنها وجدت نفسها، بحسب روايتها، محرومة من ابنتها ومن حقها في رعايتها، في وقت كانت تحاول فيه التمسك بما تبقى لها من أسرتها الصغيرة.
وتضيف أن عم الطفلة طلب منها هويتها الشخصية، وبات يتلقى مساعدات وكفالات مرتبطة بها، بينما لا تستطيع هي الوصول إلى تلك المساعدات أو الاستفادة منها لصالح ابنتها.
ورغم محاولاتها المتكررة لحل الخلاف بعيدًا عن المحاكم، وإقناع عائلة زوجها بإعادة ابنتها إلى حضانتها، لم تنجح مساعيها حتى الآن. وبينما تتمسك بحقها في رعاية طفلتها، تقول إن ما يؤلمها أكثر هو أن تبقى ابنتها بعيدة عنها، وأن تظل المساعدات المخصصة لها خارج قدرتها على المتابعة.
لم تكن قصة م. خ. الوحيدة التي اصطدمت فيها الأم بملف الوصاية بعد فقدان الزوج. فبعد استشهاد زوجها في 5 أبريل/نيسان 2025، وجدت ولاء، وهو اسم مستعار، نفسها مسؤولة وحدها عن رعاية أطفالها الثلاثة وتأمين احتياجاتهم في ظروف معيشية قاسية.
تقول ولاء إن أعمام أطفالها طلبوا منها نقل الوصاية إليهم، بحجة أن ذلك سيسهّل إجراءات الحصول على الكفالات والمساعدات. وافقت، كما تقول، على أمل أن يكون الأمر في مصلحة أطفالها، لكنها لم تحصل لاحقًا إلا على قدر محدود من الدعم، ولم تتمكن من معرفة قيمة المساعدات التي قُدمت لهم أو الجهات التي قدمتها.
ومع مرور الوقت، حاولت ولاء استعادة الوصاية حتى تتمكن من متابعة ملفات أطفالها والتأكد من وصول حقوقهم، لكنها تقول إن طلبها قوبل بالرفض، وإن عم الأطفال هددها بحرمانها منهم مستندًا إلى صفته كولي عليهم.
تتردد ولاء في اللجوء إلى القضاء، فهي لا تملك، بحسب قولها، أدلة تثبت عدم وصول المساعدات إلى أطفالها. لكنها تخشى في الوقت نفسه أن تتحول الوصاية من وسيلة لحماية حقوق أبنائها إلى سبب في حرمانهم منها، وتقول: «أطفالي الثلاثة هم ما تبقى لي بعد فقدان زوجي».
أموال الأيتام.. حق لا يملكه الولي
أكد القاضي الشرعي الشيخ عمر نوفل أن أموال القاصرين والأيتام حق محفوظ لهم، ويجب إيداعها في حساباتهم وعدم التصرف فيها إلا وفق الأطر القانونية والشرعية.
وأوضح نوفل لـ«البوابة 24» أن الولاية على القاصر تكون للأب ثم الجد، وفي حال عدم وجودهما تنتقل إلى القاضي لاختيار الشخص الأنسب لرعاية مصالحه. وأشار إلى أن الجد يستطيع تفويض الأم بإدارة شؤون أبنائها القاصرين من خلال وكالة، بما يتيح لها متابعة مصالحهم، شرط توافق الطرفين.
وبيّن أن الخلافات بين الأم والجد بشأن إدارة أموال القاصرين من المشكلات التي تواجه المحاكم الشرعية، مؤكدًا أن الطفل هو المتضرر الأول منها. وشدد على أن الولي لا يملك حق التصرف بأموال القاصر كيفما يشاء، وأن الأموال والمساعدات التي تُصرف لصالح الأطفال يجب حفظها وإيداعها لهم.
وأضاف أن للأم أو من له صفة قانونية حق المطالبة بمحاسبة الولي إذا لم تُحفظ أموال القاصرين أو لم تُصرف لمصلحتهم، كما يمكنها المطالبة بنفقة شهرية لأطفالها من الأموال التي يتولى الجد إدارتها.
وأوضح أن الجد، في هذه الحالة، يكون ملزمًا بتوفير النفقة المقررة للقاصرين، ومسؤولًا في الوقت نفسه عن الأموال التي يتسلمها لصالحهم، ويخضع للمحاسبة عن كيفية إدارتها والتصرف فيها.
وأكد نوفل أن اختيار الوصي يخضع لما يحقق مصلحة القاصر ويحفظ أمواله، محذرًا من إخفاء المساعدات أو التحايل على القوانين، ومشددًا على أهمية الرقابة على من يتولى إدارة أموال الأيتام والقاصرين.
الوساطة أولًا قبل اللجوء للقضاء
قالت المحامية في مركز شؤون المرأة، هبة غنيم، إن الولاية على أموال القاصرين تثبت للأب ثم الجد، وفي حال عدم وجودهما تُتخذ إجراءات الوصاية أمام المحكمة الشرعية، موضحة أن الولاية المالية تختلف عن الحضانة التي تكون للأم في حال وجود الأطفال لديها.
وأكدت غنيم أن وجود الأطفال لدى الأم لا يعني انتقال الولاية المالية إليها، إذ تبقى الحضانة منفصلة عن إدارة أموال القاصرين، مشيرة إلى أن تعنت بعض الأجداد تجاه الأمهات يمثل حالات فردية لا يمكن تعميمها. وأضافت أن الأم تستطيع اللجوء إلى المحكمة ورفع دعوى محاسبة إذا ثبت أن أموال أطفالها لم تُصرف لصالحهم.
وحول دور مركز شؤون المرأة، أوضحت غنيم أن المركز يتدخل في هذه الحالات عبر الوساطة، ويسعى إلى التواصل مع الجد وإقناعه بمنح الأم وكالة في شؤون الولاية، بما يمكّنها من متابعة المعاملات المتعلقة بأموال أطفالها وإدارة شؤونهم المالية. وفي حال استمرار الخلاف، يمكن إحالة الملف إلى قسم الإرشاد الأسري في المحكمة الشرعية.
ولفتت إلى أن بعض النزاعات حول الولاية المالية ترتبط بوجود كفالات شهرية تقدمها مؤسسات للأيتام، ما يجعل حماية هذه الأموال وضمان وصولها إلى الأطفال المستحقين أمرًا بالغ الأهمية.
وأكدت أن أي ولي يتسلم أموالًا تخص الأيتام ولا يصرفها عليهم يمكن محاسبته قانونيًا، مشددة على ضرورة ضمان وصول الكفالات والمساعدات إلى الأطفال المستحقين، وتعزيز وعي الأمهات بحقوقهن القانونية.
ارتفاع أعداد الأيتام والأرامل
قال المدير التنفيذي لمعهد الأمل للأيتام، بشار مطر، إن الحرب في قطاع غزة أدت إلى ارتفاع أعداد الأيتام والأرامل، ما ضاعف التحديات أمام المؤسسات المعنية بالرعاية، خصوصًا في ظل صعوبات تحويل الكفالات والمساعدات المالية.
وأوضح مطر لـ«البوابة 24» أن عدد الأيتام المسجلين ارتفع من نحو 12 ألفًا قبل الحرب إلى أكثر من 60 ألفًا، فيما زاد عدد الأرامل من نحو 12 ألفًا إلى قرابة 28 ألفًا.
وأشار إلى أن المؤسسة تكفل حاليًا نحو 2400 يتيم، فيما يستفيد آلاف الأطفال من خدمات وبرامج أخرى، لافتًا إلى أن محدودية الموارد قد تضع بعض الحالات على قوائم الانتظار.
وبيّن أن صعوبات التحويلات المالية دفعت المؤسسة إلى تحويل جزء من الكفالات النقدية إلى خدمات مباشرة، تشمل الاحتياجات الأساسية والدعم التعليمي والصحي، إلى جانب تطوير برامج بديلة تضمن استمرار استفادة الأطفال من الدعم.
وفيما يتعلق بحالات النزاع حول الولاية، أوضح مطر أن المؤسسة تتعامل معها وفق الوثائق الرسمية، وتسعى قدر الإمكان إلى حل الخلافات بالتوافق والتنسيق بين الأطراف، بما يضمن وصول المساعدات والخدمات إلى الأطفال ووضع مصلحتهم في مقدمة الأولويات.
وشدد على أن الارتفاع الكبير في أعداد الأيتام والأرامل جعل تطوير آليات جديدة للرعاية والحماية وضمان وصول الدعم إلى الأطفال أكثر إلحاحًا.
وبينما تتسع دائرة اليُتم في غزة، تبقى معركة الأمهات على رعاية أطفالهن وضمان وصول حقوقهم المالية قائمة، في وقت يفترض أن تكون فيه هذه الحقوق موجهة أولًا إلى الأطفال الذين فقدوا آباءهم، لا أن تتحول إلى مصدر جديد للنزاع داخل أسرهم.
