كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية عن تفاصيل محاولة سابقة قادها وزير الاقتصاد نير بركات للإطاحة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في تحرك يعكس حجم الصراعات الداخلية التي شهدتها الحكومة الإسرائيلية، خصوصًا في أعقاب اندلاع الحرب على قطاع غزة.
وبحسب ما أوردته القناة 12 الإسرائيلية، فإن بركات أجرى خلال أكتوبر 2023 مشاورات مكثفة مع مستشاريه لبحث إمكانية إبعاد نتنياهو من رئاسة الحكومة وتولي المنصب بدلًا منه، إلا أن الخطة لم تحقق أهدافها وانتهت بالفشل بعد تحركات مضادة من جانب نتنياهو للحفاظ على تماسك ائتلافه.
تحركات واسعة لإعادة تشكيل موازين القوى
وخلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2023 وحتى مارس 2024، حاول بركات، وفق التقرير الإسرائيلي، تغيير موازين القوى داخل الحكومة من خلال تبني مواقف متباينة؛ فكان يوجه انتقادات من اليمين في بعض الملفات، بينما يتخذ مواقف أكثر مرونة في ملفات أخرى.
كما أجرى الوزير سلسلة لقاءات مع وزراء وأعضاء في الكنيست وشخصيات إعلامية.وقدم نفسه باعتباره الشخصية القادرة على إنقاذ إسرائيل من أزمتها السياسية، إلا أن محاولاته لم تحظَ بالدعم الكافي داخل الدوائر التي سعى إلى استقطابها.
وكشفت المعلومات أن عضو الكنيست حاييم كاتس أبلغ نتنياهو في نهاية نوفمبر 2023 بتفاصيل التحرك، الأمر الذي دفع رئيس الوزراء إلى احتواء الأزمة سريعًا عبر إجراء اتصالات مع أعضاء الائتلاف، وإعادة ترتيب بعض المناصب، إلى جانب إرسال أحد المعارضين لتحركاته إلى منصب دبلوماسي خارج إسرائيل.
لماذا لم يطح نتنياهو بوزير الاقتصاد؟
ورغم علم نتنياهو بتحركات بركات، لم يتجه إلى إقالته، وهو ما أرجعته القناة الإسرائيلية إلى طبيعة التوازنات داخل الكنيست في ذلك الوقت، إذ لم يكن رئيس الوزراء يمتلك مساحة سياسية تسمح له بخسارة أحد مقاعد الائتلاف، كما ربط التقرير استمرار بركات في موقعه بما وصفه بـ"صندوق دعاوى" مرتبط بالوزير، والذي يساهم كذلك في تمويل دعاوى لأشخاص مقربين من الدائرة المحيطة بنتنياهو.
بركات ليس أول من هدد عرش نتنياهو
محاولة بركات لم تكن الحالة الأولى التي واجه فيها نتنياهو خطر فقدان موقعه، إذ شهدت السنوات الماضية تحركات وتهديدات من جانب وزراء وشخصيات سياسية داخل إسرائيل كان من أبرزها بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
وهدد سموتريتش في وقت سابق بإسقاط الحكومة إذا تراجعت عن خططها العسكرية في رفح أو وافقت على وقف إطلاق النار، بينما وجه بن غفير بدوره تهديدات مباشرة لنتنياهو، مؤكدًا أن إبرام صفقة وصفها بالمتسرعة سيقود إلى انهيار الحكومة، وجاءت تلك المواقف في عام 2024 بالتزامن مع جهود وساطة ومفاوضات هدفت إلى التوصل لاتفاق بشأن المحتجزين في غزة ووقف التصعيد.
غانتس دخل على خط أزمة الحكومة
وفي سياق آخر، أعلن وزير الحرب الإسرائيلي السابق بيني غانتس أن حكومة نتنياهو لن يكون من حقها الاستمرار في الحكم إذا ساهمت في عرقلة التوصل إلى صفقة لإعادة المحتجزين، وشدد غانتس حينها على أن إعادة المحتجزين تمثل أولوية، معتبرًا أن إفشال أي خطة مسؤولة لإعادتهم من جانب الوزراء الذين كانوا في قيادة الحكومة خلال أحداث 7 أكتوبر من شأنه أن يسلب الحكومة شرعيتها السياسية للاستمرار.
محاولة أخرى أنهت حكم نتنياهو مؤقتًا
ومن أبرز المحطات التي هددت بقاء نتنياهو في السلطة، تحرك زعيم حزب "يش عتيد" يائير لابيد عام 2021 لتشكيل ائتلاف سياسي غير مسبوق جمع أحزابًا من توجهات مختلفة، بما في ذلك قوى يمينية ونوابًا عربًا.
ونجح هذا التحالف في جمع العدد اللازم من المقاعد لتشكيل حكومة أنهت حكم نتنياهو الذي استمر لنحو 12 عامًا متواصلًا، واعتمد الاتفاق حينها على تناوب رئاسة الحكومة بين نفتالي بينيت ويائير لابيد، بحيث يتولى بينيت المنصب أولًا، على أن ينتقل لاحقًا إلى لابيد.
ليبرمان أشعل أزمة سياسية بعد استقالته
وفي محطة أخرى عام 2018، استقال أفيغدور ليبرمان من منصبه وزيرًا للحرب اعتراضًا على اتفاق هدنة أبرمه نتنياهو بشأن غزة، وتطور الخلاف لاحقًا إلى رفض ليبرمان المشاركة في حكومة يقودها نتنياهو، وهو ما ساهم في تعقيد المشهد السياسي الإسرائيلي وأدخل البلاد في مرحلة من الأزمات والانتخابات المتكررة.
غزة تعيد نتنياهو إلى دائرة الضغط
ويأتي الكشف عن محاولة بركات في وقت يبدو فيه نتنياهو أمام مرحلة سياسية شديدة الحساسية، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتزايد الخلافات حول مستقبل الحرب والترتيبات الخاصة بقطاع غزة.
وتظهر حالة من التناقض في موقف نتنياهو من خطة "مجلس السلام" الخاصة بالقطاع؛ فبينما أعلن رفضه لبعض بنودها، تتواصل على الأرض ترتيبات مرتبطة بخفض التصعيد وإقامة ترتيبات دولية جديدة في غزة، وانعكس هذا التباين كذلك على علاقة نتنياهو بالإدارة الأمريكية، التي كانت توصف لفترة طويلة بأنها وثيقة، خصوصًا مع الرئيس دونالد ترامب.
خلافات مع واشنطن بسبب خطة غزة
وصعّد نتنياهو مؤخرًا من انتقاداته لبعض مواقف البيت الأبيض، معلنًا رفضه لخطة أقرتها واشنطن لتنفيذ المرحلة التالية من مقترح ترامب للسلام، وفي الوقت نفسه، توقفت إسرائيل عن تنفيذ غارات وعمليات اغتيال في قطاع غزة منذ بداية الأسبوع، بالتزامن مع استمرار النقاشات حول مستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر مطلعة أن الأيام الماضية شهدت محادثات صعبة بين نتنياهو وجاريد كوشنر، صهر ترامب ومبعوثه، على خلفية تحفظ رئيس الوزراء الإسرائيلي على خطة "مجلس السلام" التي تتضمن 15 بندًا.
ملادينوف يدفع بالخطة رغم الرفض الإسرائيلي
وفي المقابل، يواصل الممثل الأعلى لـ"مجلس السلام"، نيكولاي ملادينوف، الدفع باتجاه تنفيذ الخطة، مؤكدًا أن الانسحاب الإسرائيلي من القطاع سيكون تدريجيًا بالتزامن مع تسليم الفصائل أسلحتها، وحذر ملادينوف من أن غياب ترتيبات "مجلس السلام" قد يؤدي إلى إطالة عمليات التعامل مع أنفاق حماس لسنوات طويلة، في وقت تتواصل فيه المحادثات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن تفاصيل الخطة.
وبينما توافق إسرائيل على بعض البنود وتتحفظ على أخرى، تستمر الاستعدادات الدولية لتنفيذ الترتيبات المقترحة ميدانيًا، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الموقف الإسرائيلي المعلن والتحركات الجارية على الأرض، ويضع نتنياهو مجددًا أمام اختبار سياسي معقد قد تكون غزة عنوانه الأبرز.
