رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطة السلام الأمريكية الخاصة بقطاع غزة، في خطوة أثارت تساؤلات حول مستقبل الترتيبات التي تدعمها إدارة الرئيس دونالد ترامب، إلا أن واشنطن لا تبدو مستعدة حتى الآن لاعتبار الموقف الإسرائيلي عرقلة مباشرة لمسار السلام.
البيت الأبيض يقلل من خطورة تمرد نتنياهو
ونقل موقع "بوليتيكو" عن مسؤول في إدارة ترامب أن واشنطن تنظر إلى موقف نتنياهو باعتباره، في جانب كبير منه، مناورة سياسية مرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وليس محاولة لإفشال الخطة الأمريكية.
وأوضح المسؤول أن التعاون بين "مجلس السلام" والأطراف الموجودة على الأرض شهد تحسنًا خلال الفترة الأخيرة، معتبرًا أن ما يجري ميدانيًا هو العامل الأكثر أهمية بالنسبة للإدارة الأمريكية، وكان نتنياهو قد أعلن الأحد رفضه لخطة "خريطة الطريق" المتعلقة بغزة، مشترطًا نزع حركة حماس سلاحها بصورة فعلية قبل تنفيذ أي انسحاب للقوات الإسرائيلية من القطاع.
الانتخابات الإسرائيلية وراء التصعيد؟
يأتي الموقف المتشدد لنتنياهو في وقت يواجه فيه تراجعًا في شعبيته داخل إسرائيل، بينما تستعد البلاد لانتخابات برلمانية مقررة في أكتوبر المقبل، وسط احتمال أن تؤدي نتائجها إلى خروجه من السلطة، ويرى مراقبون أن تمسك نتنياهو بمطلب نزع سلاح حماس بالكامل قبل أي انسحاب إسرائيلي قد يكون مرتبطًا بمحاولة استعادة دعم الناخبين الإسرائيليين، خصوصًا من التيارات الأكثر تشددًا.
خطة ترامب تواجه اختبارًا صعبًا
ويهدد موقف نتنياهو فرص نجاح "مجلس السلام" التابع لترامب، وهي مبادرة تضم 27 دولة تأسست ضمن الاتفاق الذي طرحه الرئيس الأمريكي العام الماضي بهدف إنهاء الحرب بين إسرائيل وحماس في غزة.
ورغم اعتراض نتنياهو على الخطة، تجنب ترامب الدخول في مواجهة علنية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، واكتفى بالتأكيد على أن علاقته به لا تزال جيدة، ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات متزامنة في المنطقة، من محاولة إنهاء تداعيات الحرب مع إيران، إلى السعي لتهدئة الصراع بين إسرائيل وحزب الله في لبنان.
ترتيبات دولية مستمرة رغم اعتراض إسرائيل
وبينما يعلن نتنياهو تحفظاته على الخطة، أكد مسؤول في "مجلس السلام" أن العمل على تنفيذها مستمر بوتيرة متسارعة وبموافقة إسرائيلية، وأشار المسؤول إلى الاستعداد لإنشاء منطقة مخصصة للدعم اللوجستي، تمهيدًا لنشر مئات الجنود في قطاع غزة ضمن القوة الدولية للاستقرار التي يجري التخطيط لتشكيلها.
ويكشف استمرار هذه الترتيبات عن فجوة بين الموقف السياسي المعلن من جانب نتنياهو وبعض الإجراءات الجارية على الأرض، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد المرتبط بمستقبل القطاع.
حلفاء واشنطن يحذرون من تراجع النفوذ الأمريكي
وأثار رفض نتنياهو لخطة واشنطن المؤلفة من 15 نقطة مخاوف لدى حلفاء الولايات المتحدة، الذين يرون أن الموقف الإسرائيلي قد يضعف الثقة في الجهود الأمريكية للتوصل إلى تسوية في غزة، كما يرى دبلوماسيون ومطلعون على السياسة الأمريكية في المنطقة أن التطورات الأخيرة تعزز انطباعًا بأن واشنطن إما لا تمتلك أدوات الضغط الكافية على إسرائيل، أو أنها لا ترغب في استخدامها بصورة فعالة.
واعتبر دبلوماسي غربي أن رفض نتنياهو يمثل مؤشرًا على وجود خلل في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إسرائيل، محذرًا من أن استمرار تقديم التنازلات لإسرائيل قد يؤدي إلى رفع سقف مطالبها بدلًا من دفعها نحو تسوية سياسية.
تحذيرات من تداعيات إقليمية خطيرة
ولم تقتصر المخاوف على مستقبل خطة غزة، إذ حذر دبلوماسي عربي من أن رفض نتنياهو قد تكون له تداعيات واسعة على الاستقرار الإقليمي والأمن الإسرائيلي على المدى الطويل، وأشار إلى أن ترامب يظل الشخصية الأمريكية الأكثر قدرة على التأثير في موقف نتنياهو، داعيًا إلى استخدام النفوذ السياسي للضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي وإقناعه بإعادة النظر في موقفه.

أوروبا تتمسك بأمل إنقاذ خطة السلام
وفي الجانب الأوروبي، لا تزال بعض الحكومات تراهن على قدرة "مجلس السلام" على إنقاذ المسار السياسي في غزة، وأشادت نائبة ألمانية في البرلمان الأوروبي بجهود كبير المفاوضين نيكولاي ملادينوف، معتبرة أن ما تحقق بشأن خطة النقاط الخمس عشرة يمثل عنصرًا أساسيًا في أي محاولة لإعادة إطلاق عملية السلام.
وأعربت عن اعتقادها بأن الخطة يمكن أن تستعيد زخمها بعد الانتخابات الإسرائيلية، خصوصًا إذا ركزت على مسألة التفكيك الكامل للأسلحة.
نتنياهو يختبر حدود صبر واشنطن
في المقابل، يرى خبراء ودبلوماسيون أن نتنياهو يحاول إعادة توجيه خطة "مجلس السلام" بما يتوافق بصورة أكبر مع المصالح الإسرائيلية، مستفيدًا من تردد واشنطن في الدخول في مواجهة مباشرة معه.
واعتبر نمرود نوفيك، المستشار الدبلوماسي السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل شمعون بيريز، أن تحركات نتنياهو تضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار حقيقي لمعرفة حدود ما يمكنها التغاضي عنه، وتتزايد في الأثناء الانتقادات الموجهة إلى سياسة ترامب في الشرق الأوسط، خاصة بعد تعثر مساعي حسم ملفات إقليمية أخرى بالسرعة التي كانت الإدارة الأمريكية تتوقعها.
أزمة غزة تتحول إلى اختبار لترامب ونتنياهو
ومع استمرار الخلاف حول خطة غزة، يبدو أن المواجهة لم تعد مقتصرة على تفاصيل الانسحاب الإسرائيلي أو مستقبل إدارة القطاع، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة ترامب على استخدام نفوذه مع نتنياهو.
ففي الوقت الذي تريد فيه واشنطن دفع خطة دولية جديدة إلى الأمام، يحاول نتنياهو الحفاظ على خطاب متشدد يضمن له دعم قاعدته الانتخابية، وهو ما يضع مسار السلام أمام حالة من الغموض، ويثير تساؤلات حول قدرة الإدارة الأمريكية على فرض رؤيتها في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في الشرق الأوسط.
