لا عدسات ولا إطارات.. العتمة حربٌ أخرى يواجهها ضعاف النظر بغزة

صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي
صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- صفاء كمال:

لم يكن الحجر الذي تعثرت به هناء توفيق، (63 عامًا)، كبيرًا بما يكفي ليسقط امرأة في عمرها، لكنها لم تره أصلًا. توقفت لثوانٍ في منتصف الطريق، تحاول استعادة توازنها وسط شارع تتناثر فيه الحجارة وقطع الركام، ثم مضت ببطء، تتحسس خطوتها التالية قبل أن تضع قدميها على الأرض.

لم يكن الدمار وحده ما جعل الطريق أكثر وعورة؛ فعينا هناء لم تعودا قادرتين على التقاط تفاصيله كما كانتا تفعلان من قبل.

في غزة، حيث تحولت الطرق إلى ممرات بين الركام، وأصبح الخروج من الخيمة أو المنزل رحلة محفوفة بما لا يُرى، لم تعد النظارة الطبية مجرد وسيلة لتحسين النظر، فبالنسبة لآلاف ضعاف البصر، صارت شرطًا للقدرة على السير، والقراءة، والدراسة، والعمل، وحتى رؤية الأشياء الصغيرة التي تجعل الحياة ممكنة.

الحرب دفعت بهذا الشرط البسيط إلى خانة الأحلام.. إغلاق المعابر، ومنع أو تعثر إدخال العدسات والإطارات والمستلزمات الطبية، ونفاد المخزون القديم، وارتفاع أسعار ما تبقى منه، كلها عوامل دفعت ضعاف البصر إلى خيارات قاسية: رؤية ضبابية، نظارات مكسورة، عدسات لا تطابق قياساتهم، أو انتظارٍ مفتوح لا يعرفون متى ينتهي.

تقول هناء: "كنت أستخدم نظارة طبية قبل الحرب، لكنها لم تعد تناسب نظري (..) ظروف الحرب ساهمت في تدهور بصري، إشعال الحطب كل يوم على سبيل المثال، فأصبحت رؤيتي مشوشة، وحتى على صعيد قراءة القرآن لم أعد أستطيع إكمال أكثر من صفحتين منها قبل أن أشعر بصداع شديد وحرقة في عيني".

لم تتوقف المشكلة عند حدود القراءة، فحتى الطريق الذي تسلكه هناء لشراء احتياجات أسرتها صار امتحانًا يوميًا للنظر والقدرة على المسير معًا.

تضيف: "كلما خرجت لشراء احتياجاتنا اليومية أتعثر بالركام والحجارة، لأنني لا أرى الطريق بوضوح".

وحين قررت أخيرًا تغيير نظارتها، اكتشفت أن المشكلة لم تعد في مقاس العدسات وحده، فبعد فحص نظرها، أخبرها أخصائي البصريات بأنها تعاني من المياه البيضاء في عينيها، ونصحها بمراجعة طبيب عيون.

لكن الوصول إلى طبيب متخصص في غزة أصبح بدوره رحلة من المعاناة، فقد خرج عدد كبير من المراكز الصحية عن الخدمة، كما فقد قطاع البصريات عددًا من العاملين فيه بين من استشهدوا أو أصيبوا أو اضطروا إلى مغادرة القطاع.

وفي مستشفى العيون غربي مدينة غزة، لا تتوقف قائمة الاحتياجات عند النظارات والعدسات. يقول مدير المستشفى، الدكتور حسام داوود: "المستشفى تعاني نقصًا حادًا في العدسات التي تُزرع بعد عمليات إزالة المياه البيضاء، ما يُجبر الطواقم الطبية على تأجيل عدد كبير من العمليات لعدم توفر المقاسات المناسبة".

ولا تقتصر الفجوة على العدسات، فالنقص يشمل مواد جراحية أساسية، من بينها مادة الهيلون، والخيوط الدقيقة، ومستلزمات جراحات الشبكية والقرنية والمياه الزرقاء، أو ما يعرف بـ"الغلوكوما"، رغم المحاولات المتكررة من مؤسسات دولية لإدخال هذه الاحتياجات إلى القطاع.

وتشير تقارير طبية صادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن معظم مراكز طب العيون في قطاع غزة تعرضت للتدمير أو خرجت عن الخدمة خلال الحرب، فيما تجاوز عدد العمليات المتراكمة أربعة آلاف عملية، بينها نحو 2800 عملية لإزالة المياه البيضاء، لا تزال تنتظر توفر المعدات والمواد الطبية اللازمة.

من ينتظرون عملية جراحية ليسوا وحدهم العالقين في قائمة الانتظار، فهناك من لا يحتاج أكثر من نظارة طبية كي يرى العالم من حوله، لكنه يجد نفسه أمام الأزمة ذاتها.

كانت ليان هشام (18 عامًا) تظن أن كسر نظارتها بعد رحلة نزوح مرهقة لن يكون أكثر من عارض عابر. نظارة جديدة، وتنتهي المشكلة، لكن الحرب جعلت حتى هذا الحل البسيط معقدًا.

تقول ليان لـ"البوابة 24": "أعاني من قصر نظر بدرجة 3.5، ولا أستطيع الاستغناء عن النظارة. أرتديها منذ استيقاظي وحتى قبل النوم، لأنها بالنسبة لي ليست إكسسوارًا، بل وسيلتي لرؤية العالم".

تنقلت الشابة بين أكثر من محل للبصريات بحثًا عن عدسات تناسب قياسها، لكن المفاجأة لم تكن في الأسعار وحدها، كانت في أن العدسات التي تحتاجها لم تعد موجودة أصلًا.

قبل الحرب، كانت تكلفة النظارة، بإطارها وعدساتها وفحص النظر، لا تتجاوز 130 شيكلًا، أما اليوم، فأصبح سعر الإطار وحده يبدأ من نحو 200 شيكل، فيما تجاوز سعر العدسات 120 شيكلًا، مع بقاء المشكلة الأكبر: أن المريض قد يدفع ما يستطيع، ثم لا يجد العدسة التي تناسب عينيه.

اقترح عليها أحد أخصائيي البصريات استخدام عدسات بقياس قريب من قياسها، منبهًا إلى أنها قد تعاني -إن وافقت على الفكرة- من صداع أو زغللة- لكنها قررت الانتظار على أمل أن تصل العدسات المناسبة.

مر أكثر من شهر وهي تتابع دراستها من دون نظارة، تحدق في شاشة جهاز "الآيباد" وسط ظروف إضاءة سيئة، حتى بدأت الرؤية تتشوش، ورافقها صداع يومي وإجهاد متواصل في عينيها.

وحين تمكنت أخيرًا من شراء نظارة جديدة، كشف فحص النظر أن درجة ضعف بصرها ازدادت نحو نصف درجة تعقب: "أدركت وقتها أن تأجيل شراء النظارة كلفني أكثر مما توقعت".

لم تكن ليان حالة استثنائية، ففي محال البصريات، تتكرر الحكاية بأشكال مختلفة، لكن نهايتها واحدة: مريض يبحث عن عدسة، وأسرة تسأل عن السعر، ومخزون يتناقص، وموعد لا أحد يعرف متى يأتي.

يقول أخصائي البصريات أحمد عبد المنعم لـ"البوابة 24": "الأزمة تجاوزت نقص البضائع لتصبح أزمة تمس حق الناس في الرؤية".

ويضيف: "أكثر من 95% مما نستخدمه اليوم هو مخزون متبقٍ من فترة ما قبل الحرب، أما العدسات الطبية فلم تدخل القطاع منذ بدايتها".

ومع استمرار الأزمة، بدأ أصحاب مراكز البصريات يتبادلون ما تبقى لديهم من عدسات وإطارات، في محاولة لتغطية احتياجات المرضى، لكن المخزون المحدود لم يعد قادرًا على سد الفجوة.

يشير عبد المنعم إلى أن نحو 60% من المراجعين لا يجدون العدسات التي تناسب قياساتهم، خصوصًا أصحاب الدرجات العالية أو مستخدمي العدسات الخاصة، ما يضطر بعض المراكز إلى توفير عدسات بقياسات قريبة بوصفها حلًا مؤقتًا، رغم أنها ليست الخيار الأمثل طبيًا.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت الأسعار عدة أضعاف، فالإطار الذي كان يباع بنحو 50 شيكلًا أصبح سعره يتجاوز 200 شيكل، فيما ارتفع سعر العدسات إلى أكثر من 120 شيكلًا.

أرقام تبدو صغيرة على الورق، لكنها تصبح عبئًا ثقيلًا على عائلات فقدت مصادر دخلها، ونزحت من بيوتها، وصارت تكافح لتأمين الطعام والماء قبل أن تفكر في شراء نظارة.

يضيف عبد المنعم: "يخرج كثير من الزبائن من دون شراء النظارة بعد معرفة السعر، ونرى يوميًا أشخاصًا يثبتون نظاراتهم باللاصق أو الأسلاك حتى يتمكنوا من استخدامها لأطول فترة ممكنة".

ولم يسلم قطاع البصريات نفسه من الحرب، فقد تعرضت مراكز عديدة للتدمير، فيما تعطلت أجهزة فحص النظر وتجهيز العدسات، وتوقفت أجهزة أخرى عن العمل بسبب عدم توفر قطع الغيار والصيانة.

تعيش سارة أحمد (31 عامًا)، مع زوجها وطفلتها داخل خيمة لا تتسع إلا للنوم، لذلك توضع المقتنيات القليلة على الأرض، من بينها نظارتها الطبية التي رافقتها ثلاث سنوات. ذات يوم، داست طفلتها الصغيرة على النظارة من دون قصد، فانكسرت العدسات واعوجّ الإطار، ومنذ ذلك اليوم، لم تتمكن سارة من شراء بديل.

تقول: "أقل نظارة أحتاجها تكلف نحو 300 شيكل، وهو مبلغ يفوق قدرتنا في ظل الظروف الحالية".

اختارت أن تتمسك بالنظارة المكسورة بدل التخلي عنها تمامًا، رغم الصداع وألم العينين اللذين تسببهما لها. وأحيانًا تتركها داخل الخيمة عندما تخرج، لا لأنها لا تحتاجها، بل لأنها تشعر بالحرج من شكلها المتهالك.

تقول: "من دون النظارة لا أرى الطريق جيدًا، ولا أستطيع قراءة الأرقام، حتى عند الدفع للتاجر عبر تطبيق البنك على هاتفي، أضطر إلى طلب المساعدة لقراءة رقم الحساب".

وفي خيمة أخرى، تكبر حبيبة، ذات الأعوام العشرة، بينما تتراجع قدرتها على رؤية تفاصيل الأشياء من حولها.

شخّص الطبيب حالتها بأنها تعاني حساسية وانحرافًا في العين، وأكد لوالدتها ضرورة حصولها على نظارة طبية في أسرع وقت، مع تجنب التعرض للشمس والغبار والدخان، لكن الأم لم تتمكن حتى الآن من العثور على النظارة المناسبة، فيما يغيب علاج الحساسية هو الآخر من حين إلى آخر.

بالنسبة إلى حبيبة، لا يتعلق الأمر براحة مؤقتة في النظر، فالأطفال الذين لا يحصلون على النظارة المناسبة في الوقت المناسب قد يدفعون ثمن الانتظار سنوات طويلة من العلاج.

ويحذر استشاري جراحات العيون الدكتور عبد الله الكاشف من أن تأجيل ارتداء النظارة لا يعني فقط استمرار ضعف الرؤية، بل قد يقود إلى مضاعفات صحية تبدأ بالصداع وإجهاد العين، وقد تصل إلى التهابات متكررة وجفاف مزمن.

لكن الخطر يصبح أكبر لدى الأطفال، وفقًا له، فإن عدم حصول الطفل على النظارة المناسبة في الوقت المناسب قد يؤدي إلى الإصابة بما يعرف طبيًا بـ"كسل العين"، وهو ضعف دائم في الإبصار قد لا يمكن علاجه لاحقًا، حتى بالتدخل الجراحي.

ولا تتوقف المشكلة عند النظارات الطبية التقليدية، فبعض المرضى مثل المصابين بالقرنية المخروطية يعتمدون على عدسات لاصقة خاصة لم تعد متوفرة منذ بداية الحرب، "أما العدسات الرديئة التي تدخل إلى القطاع بطرق غير رسمية، فقد تتحول من محاولة للإنقاذ إلى خطر جديد، لما قد تسببه من التهابات وحساسية شديدة في العين" يزيد.

هكذا، تتسع دائرة العتمة في غزة أكثر من قدرة العين على الاحتمال.. مريض ينتظر عدسة لعملية مياه بيضاء، وآخر يبحث عن قياس يناسب عينيه، وطفل يحتاج إلى نظارة قبل أن يصبح ضعف بصره دائمًا، وأسرة تؤجل شراء إطار لأن ثمنه يعني التخلي عن احتياج آخر أكثر إلحاحًا. في غزة، النظارة الطبية ليست قطعة من الزجاج والإطار توضع أمام العينين، بل نافذة صغيرة على حياة يحاول أصحابها التشبث بتفاصيلها.

البوابة 24