غزة/ البوابة 24- سندس محمدين
"قبل أن أخرج من بيتي، أفكر عشرات المرات. أعلم تمامًا أنني لن أجد مواصلات بسهولة، وأن طريقًا طويلًا ومضنيًا ينتظرني تحت شمس لا ترحم".
بهذه الكلمات تختصر زينب البلتاجي بداية يومها وهي تتهيأ للذهاب إلى الجامعة، لا ينشغل بال زينب بالمحاضرات قدر تشاغلها بالطريق نفسه؛ فهي نادرًا ما تجد وسيلة نقل توصلها إلى منتصف المسافة، لتكمل بقية الطريق مشيًا، وفي أحيان كثيرة لا تجد وسيلة نقل مطلقًا، وما إن تنهي محاضراتها حتى تبدأ رحلة مماثلة باتجاه عملها.
تمتد مشاوير زينب اليومية ما بين ساعة وساعتين تحت أشعة الشمس الحارقة، في شوارع خالية من الأشجار أو المباني التي قد تمنح المارين قليلًا من الظل، بينما تزيد الأنقاض والطرقات المتهدمة من صعوبة المسير.
تروي الشابة إحدى تلك اللحظات القاسية: "قبل أيام، وخلال ساعات الظهيرة، خرجتُ مشيًا من منطقة تل الهوا نحو ميناء أبو حصيرة للوصول إلى عملي. كان الحر شديدًا والقيظ لا يُطاق، واشتد عليّ التعب حتى بدأت أترنح في مشيتي من شدة الصداع دون أن أجد زاوية واحدة أستريح فيها".
واصلت يومها الشاق، وعند العودة لم تجد مواصلات مجددًا، لتبدأ رحلة منهكة أخرى انتهت بها إلى حالة من الجفاف نتيجة التعرق الشديد والمجهود البدني المبذول دون توفر كميات كافية من الماء.
أجساد تترنح
ولا يختلف حال محمد أبو عيطة، العامل في أحد المطاعم، عن حال زينب؛ إذ يقطع يوميًا مسافات تستغرق بين نصف ساعة وساعة سيرًا، إما لعدم توفر السيارات أو لارتفاع تكلفة المواصلات التي باتت تلتهم نحو 5 شواكل للمشوار الواحد.
يقول الرجل إنه يصل إلى عمله مجهدًا، بعدما تتسبب المسافة الطويلة في آلام بقدميه تؤثر على إنتاجيته، فيما يزيد التعرق الشديد والحرارة من معاناته، ولا سيما أن عينيه خضعتا لعملية جراحية مؤخرًا.
كلما أرهقه الطريق، يبحث محمد عن ملاذ مؤقت؛ شجرة متبقية، أو ظلال ركام مائل، ليلتقط أنفاسه، ويرى أن وضع مظلات بسيطة أو مقاعد على جنبات الشوارع قد يمنح المشاة استراحة هم بأشد الحاجة إليها، للتخفيف من وطأة الظروف الاقتصادية التي جعلت تنقلاتهم اليومية عبئًا لا يطاق.
أما نجمة انطيز، فتمضي في طريقها وهي تحمل طفلها ابن العام والنصف بين ذراعيها، في وقت تحمل هي الأخرى في أحشائها جنينًا آخر، تتجه نحو العيادة الطبية لمتابعة طفلها الذي يعاني من سوء التغذية، ولمتابعة حملها المجهد، تقف أحيانًا قرابة نصف الساعة بانتظار سيارة، ومع غياب وسائل النقل، تبدأ رحلة السير.
تقول نجمة "جسدي ضعيف ولا يحتمل هذا المجهود، فسوء التغذية ينهكني، وأنا حامل وأحمل طفلي الصغير على يدي طوال الطريق".
وحين يشتد عليها الدوار وتستبد بها الآلام، لا تجد الأم مكانًا مخصصًا للراحة، فتجلس على حجر أو حافة رصيف، وهي تشعر بدوخة وإرهاق شديدين، ورغم كل ذلك، لا تملك خيار تأجيل هذه الرحلة؛ فطفلها بحاجة إلى متابعة أسبوعية عاجلة، وحملها يتطلب رعاية مستمرة.
خطر يتربص بالصحة
هذه المعاناة اليومية تتجاوز كونها مشقة عابرة، لتشكل خطرًا صحيًا مباشرًا على حياة المواطنين، وتوضح الدكتورة مرح مشتهى أن التعرض الطويل لأشعة الشمس والحرارة المرتفعة مع المشي لمسافات طويلة يؤدي إلى فقدان السوائل والأملاح عبر التعرق، مما يسبب الجفاف والإجهاد الحراري، اللذين تظهر أعراضهما على شكل صداع ودوخة وغثيان وإرهاق عام.
وتحذر الطبيبة من أن الإجهاد الحراري قد يتطور إلى "ضربة شمس" -وهي حالة طبية طارئة وشديدة الخطورة-، عندما ترتفع درجة حرارة الجسم إلى ما فوق 40 درجة مئوية، مترافقة مع اضطرابات عقلية مثل التشوش أو فقدان الوعي.
وتؤكد أن الأشخاص الذين يبذلون مجهودًا بدنيًا شاقًا في الهواء الطلق، كفئة العمال والأمهات والطلبة، هم الأكثر عرضة لهذه المخاطر.
وتشير إلى أن توفير مساحات مظللة ومقاعد استراحة على امتداد الطرقات يساهم بشكل كبير في خفض هذه المخاطر؛ إذ يتيح للمشاة فرصة التبريد السريع وتعويض السوائل قبل أن تتفاقم حالتهم الصحّية.
واقع مدمّر وحلول معطلة
غير أن تطبيق مثل هذه الحلول البسيطة يصطدم بوقع أليم؛ إذ يوضح محمد السرساوي، رئيس قسم الإعلام في بلدية غزة، أن الحرب دمرت الشوارع والمرافق العامة وشبكات الطرق ومواقف الانتظار، مما يجبر المواطنين على المشي مسافات طويلة، في ظل انعدام وسائل النقل أو ارتفاع أسعارها نتيجة الأزمة الاقتصادية الخانقة.
ويرى السرساوي أن حركة المشاة تتركز بشكل مكثف حول الأسواق والمراكز الصحية، وازدادت مع عودة التعليم الجامعي الذي فرض على الطلبة والمدرسين قطع مسافات طويلة سيرًا، لكن دمار الأرصفة وانتشار خيام النازحين يجعل من صعوبة إقامة مظلات أو مقاعد استراحة أمرًا بالغ التعقيد حاليًا، في وقت تكرّس فيه البلدية طاقاتها الشحيحة لتوفير الخدمات الأساسية العاجلة، وفي مقدمتها ضخ المياه، وجمع النفايات، والحد من انتشار الأمراض والتلوث.
ووفقًا للتقييم السريع للأضرار والاحتياجات في قطاع غزة (RDNA)، الصادر في أبريل/نيسان 2026 بالشراكة بين البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، فإن أكثر من 84 ألف مركبة في القطاع دُمّرت، بقيمة خسائر تتجاوز 2.1 مليار دولار، فيما تُقدّر أضرار البنية التحتية للطرق وحدها بنحو 1.1 مليار دولار.
كما أدى تدمير الموانئ وتراكم أنقاض المباني المنهارة إلى عرقلة ممرات النقل وتجزئة الاتصال بين المحافظات، ما حدّ بشدة من قدرة السكان على الوصول والتنقل.
