تتجه تركيا إلى لعب دور أكثر حضورًا في لبنان خلال المرحلة المقبلة، في تحرك قد يعيد رسم التوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية في المنطقة، خاصةً مع اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"
وبحسب تقرير نشره موقع "عرب نيوز"، فإن التحرك التركي يحظى بموافقة ضمنية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يرى في أنقرة قوة إقليمية قادرة على تحقيق نوع من التوازن أمام النفوذ الإسرائيلي المتزايد.
زيارة جوزيف عون لأنقرة.. بداية تحرك أكبر
لم تكن زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى تركيا الشهر الماضي مجرد محطة دبلوماسية عابرة، وفق التقرير، بل حملت مؤشرات على توجه بيروت نحو الاستعانة بأنقرة في ملفات تتجاوز التعاون التقليدي بين البلدين، وتشير المعطيات إلى أن تركيا قد توسع حضورها في لبنان على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، وسط قبول من أطراف لبنانية وإقليمية ترى في الدور التركي وسيلة لإعادة ضبط التوازنات داخل البلاد.
كما تأتي هذه التحركات في ظل اهتمام الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء نواف سلام بالحصول على دعم أمريكي، وهو ما يجعل زيارة عون لأنقرة ذات دلالة سياسية أكبر في ضوء طبيعة العلاقة بين واشنطن وأنقرة.
كيف منعت تركيا صدامًا بين حزب الله وسوريا؟
برز الدور التركي في لبنان وسوريا خلال الفترة الماضية من خلال محاولات منع تصعيد محتمل بين حزب الله والسلطات السورية بقيادة أحمد الشرع، ووفق التقرير، فتحت أنقرة قنوات تواصل مع حزب الله، وسعت إلى الحفاظ على علاقة هادئة بين الحزب ودمشق، في وقت كانت فيه السلطات السورية تطالب بتسليم عناصر من الحزب متهمين بارتكاب جرائم داخل سوريا، بينما اتهم حزب الله دمشق بإيواء عناصر من بقايا نظام بشار الأسد.
وكاد التوتر أن يتحول إلى مواجهة مباشرة، قبل أن تتدخل تركيا وتنجح في احتواء الموقف، الأمر الذي ساهم في تراجع دمشق عن بعض مطالبها الأولية.
لماذا أصبح النفوذ التركي مهمًا لحزب الله؟
رغم أن حزب الله لم يكن ينظر تقليديًا إلى أي وجود إقليمي منافس للنفوذ الإيراني باعتباره أمرًا إيجابيًا، فإن الظروف الحالية دفعت الحزب إلى التعامل مع الحضور التركي باعتباره عاملًا قد يساعد في حمايته من ضغوط إقليمية متزايدة.
وتكتسب تركيا أهمية خاصة بالنسبة للحزب باعتبارها عضوًا في حلف شمال الأطلسي، وهو ما قد يجعل وجودها عامل ردع أمام أي تحرك إسرائيلي مباشر، كما أن استمرار الوضع الحالي في جنوب لبنان يفرض ضغوطًا متزايدة على جميع الأطراف، خصوصًا مع الحاجة إلى إنهاء حالة الحرب وتهيئة الظروف لعودة النازحين إلى مناطقهم.
هل تصبح تركيا الضامن الأمني الجديد في جنوب لبنان؟
يرى التقرير أن أي تسوية مستقبلية بين لبنان وإسرائيل قد تحتاج إلى جهة تمتلك القدرة على تقديم ضمانات أمنية حقيقية، وهنا يمكن أن تلعب تركيا دورًا أكبر، وتتمتع أنقرة، بحكم عضويتها في حلف الناتو، بثقل عسكري وسياسي يجعلها مرشحة للقيام بدور أمني في الجنوب، خاصة أن استهداف دولة عضو في الحلف قد تكون له تداعيات أكبر من التعامل مع قوات دولية محدودة الصلاحيات.
كما أن العلاقات التركية مع أطراف عربية، وعلى رأسها السعودية، شهدت تطورًا ملحوظًا، ما يعزز فرص التنسيق الإقليمي في ملفات لبنان وسوريا.
واشنطن وأنقرة.. تفاهم غير معلن لموازنة إسرائيل
وبحسب "عرب نيوز"، فإن التحرك التركي في لبنان لا يجري بمعزل عن واشنطن، إذ تشير المعطيات إلى وجود موافقة ضمنية من إدارة ترامب على منح أنقرة مساحة أكبر في المنطقة، ويبدو أن واشنطن تنظر إلى تركيا باعتبارها قوة إقليمية يمكن أن تساهم في تحقيق توازن أمام إسرائيل، خصوصًا في ظل صعوبة ممارسة ضغط مباشر ومستمر على تل أبيب بسبب طبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية وتأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.
ويرى التقرير أن احتواء النفوذ الإسرائيلي قد يتطلب وجود قوة إقليمية كبيرة قادرة على موازنة تل أبيب، وهو الدور الذي يمكن أن تكون تركيا مرشحة للقيام به خلال المرحلة المقبلة.
إسرائيل تراقب النفوذ التركي بقلق
في المقابل، يثير تنامي الدور التركي مخاوف داخل إسرائيل، خصوصًا مع توسع نطاق العلاقات بين أنقرة وبيروت ودمشق.
وسبق أن حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت من ظهور ما وصفه بـ«تهديد تركي جديد»، معتبرًا أنه قد يشكل تحديًا مشابهًا للتهديد الذي كانت تمثله إيران.
ويعكس هذا الموقف خشية إسرائيل من ظهور قوة إقليمية مؤثرة على حدودها الشمالية، تمتلك علاقات سياسية وأمنية مع أطراف متعددة في المنطقة وقادرة على التأثير في الملفات اللبنانية والسورية.
نهاية اليونيفيل تفتح الباب أمام تركيا
ويأتي الحديث عن الدور التركي في توقيت حساس، مع اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفل" في 31 ديسمبر 2026، وهو ما قد يخلق فراغًا أمنيًا في جنوب البلاد.

وقد طرحت ألمانيا خلال الشهر الماضي فكرة إرسال قوات تابعة للاتحاد الأوروبي لتحل محل القوات الأممية، فيما كان الوضع الأمني في الجنوب حاضرًا بقوة خلال مباحثات عون في أنقرة، مع طلب بيروت مساعدة تركيا، وفي حال انتهاء مهمة اليونيفيل دون التوصل إلى بديل واضح، يمكن أن تجد أنقرة نفسها أمام فرصة لتوسيع حضورها الأمني في الجنوب والمشاركة في الترتيبات التي ستلي الانسحاب الأممي.
ورقة جديدة في العلاقات التركية اللبنانية
ولا يتوقف الاهتمام التركي بلبنان عند الملفات الأمنية والسياسية، إذ يمثل البلد أهمية استراتيجية بالنسبة لأنقرة في مجال الطاقة في شرق المتوسط، وتكتسب ترسيمات الحدود البحرية بين لبنان وكل من قبرص وسوريا أهمية خاصة بالنسبة إلى توزيع موارد الطاقة في المنطقة، خصوصًا في ظل اعتراضات تركية سابقة على بعض ترتيبات الحدود البحرية.
وخلال زيارة عون إلى تركيا، طُرح ملف الكهرباء باعتباره أحد مجالات التعاون المحتملة، مع بحث خيارين؛ الأول يتمثل في تزويد لبنان بالكهرباء التركية عبر الأراضي السورية، والثاني يقوم على إنشاء كابل بحري يصل تركيا بالساحل السوري ثم يمتد إلى طرابلس اللبنانية، كما أبدت تركيا استعدادًا للمشاركة في جهود إعادة إعمار جنوب لبنان، بما يفتح المجال أمام تعاون اقتصادي يتجاوز الجانب الأمني.
خط سكة حديد الحجاز يعود إلى الواجهة
وتتجه تركيا والسعودية كذلك إلى إعادة إحياء مشروع خط سكة حديد الحجاز، الذي يربط تركيا بالسعودية مرورًا بسوريا والأردن، وفي السياق ذاته، طرحت لبنان في مايو الماضي مناقصة لتصميم وتطوير خط سكة حديد يمتد من طرابلس إلى العبودية شمال البلاد، بهدف ربط ميناء طرابلس بشبكة النقل الإقليمية، بما فيها خط سكة حديد الحجاز.
ومن شأن تنفيذ هذه المشروعات إعادة وضع طرابلس على خريطة النقل والتجارة الإقليمية، وتحويل لبنان إلى جزء من مسارات اقتصادية أوسع تربط شرق المتوسط بالخليج وتركيا.
تركيا تستعد لدور أكبر في لبنان
وتشير مجمل التطورات إلى أن أنقرة لا تنظر إلى لبنان باعتباره ملفًا منفصلًا، بل جزءًا من منظومة إقليمية تمتد من تركيا إلى سوريا ولبنان وشرق المتوسط، ومع تراجع الدور الدولي التقليدي في الجنوب واقتراب نهاية مهمة اليونيفيل، إلى جانب تصاعد التوتر مع إسرائيل والحاجة إلى حلول في ملفات الأمن والطاقة وإعادة الإعمار، تبدو تركيا أمام فرصة لتثبيت حضورها كلاعب رئيسي في لبنان.
وخلال الأشهر المقبلة، قد يشهد لبنان توسعًا واضحًا في الدور التركي سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، وهو ما قد يفرض معادلة جديدة في المنطقة ويضع أنقرة في مواجهة مباشرة مع حسابات إسرائيلية تتعامل بحذر متزايد مع صعود النفوذ التركي.
